
تظاهرة في بروكسل للمعارضة الإيرانية
في ظل تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية، تتكشف مؤشرات الوهن السياسي والأمني في إيران. اغتيالات طالت علماء نوويين وقادة عسكريين، وعقوبات اقتصادية خانقة، وحراك شعبي متجدد، كلها عوامل تضع النظام الإيراني في مواجهة أزمة شرعية غير مسبوقة، هذه الأزمة تتزامن مع صعود المعارضة الديمقراطية التي باتت تحظى بدعم متزايد من عواصم القرار الدولية. في هذا السياق، جاءت تظاهرة السادس من سبتمبر 2025 في ساحة الأتوميوم ببروكسل لتشكّل نقطة تحول استراتيجية، تجاوزت الاحتجاج إلى إعادة تعريف العلاقة بين المعارضة الإيرانية والمجتمع الدولي.
ما جرى في بروكسل لم يكن مجرد تظاهرة، بل إعلان سياسي صريح بأن البديل الديمقراطي للنظام الإيراني لم يعد فكرة نظرية، بل واقعًا سياسيًا مدعومًا دوليًا. عشرات الآلاف من الإيرانيين من مختلف الأجيال والمنافي، اجتمعوا ليؤكدوا أن مشروع التغيير من الداخل قد نضج، وأن المقاومة الإيرانية لم تعد صوتًا هامشيًا، بل مشروعًا سياسيًا متكاملًا.
برنامج سياسي بديل ودعم دولي
الحدث شكّل منصة استراتيجية لعرض برنامج سياسي متكامل تقوده مريم رجوي، رئيسة الجمهورية المنتخبة من المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية. خطابها لم يكتف بإدانة النظام، بل قدّم تصورًا تفصيليًا لما بعده: انتخابات حرة، حل الحرس الثوري، مساواة بين الجنسين، وحكم ذاتي لكردستان إيران. هذه ليست شعارات، بل بنود تنفيذية تشكل جوهر “الخيار الثالث” الذي تطرحه المقاومة: لا حرب، ولا مهادنة، بل تغيير جذري من الداخل.
مشاركة شخصيات بارزة مثل مايك بنس، غاي فيرهوفستات، وجون بركو، لم تكن رمزية فقط، بل حملت رسالة مزدوجة: أن المعارضة الإيرانية باتت تحظى باعتراف سياسي، وأن المجتمع الدولي لم يعد قادرًا على تجاهل المطالب الشعبية. عندما يقول نائب رئيس أميركي سابق إن “أكبر تهديد للنظام ليس أمريكا، بل الشعب الإيراني”، فهو يعبّر عن تحول في المزاج السياسي الغربي تجاه إيران.
تصنيف الحرس الثوري: مطلب شعبي واختبار دولي
من بين المطالب التي تكررت في كلمات المتحدثين، برز مطلب تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية. هذا المطلب لا يحمل فقط بعدًا أمنيًا، بل هو اختبار حقيقي لجدية المجتمع الدولي في كبح تمويل الإرهاب. تجاهل هذا المطلب يعني استمرار سياسة الاسترضاء التي أثبتت فشلها في ردع النظام الإيراني، وأبقت أدوات القمع والتمويل العسكري في يد الحرس الثوري دون مساءلة.
اللافت في الحدث لم يكن عدد المشاركين فقط، بل تنوعهم: شباب ولدوا في المنفى، سجناء سياسيون سابقون، وعائلات قطعت آلاف الكيلومترات. هذا التنوع يحوّل التظاهرة إلى ما يشبه الاستفتاء الشعبي، ويمنح المجلس الوطني للمقاومة شرعية شعبية لا يمكن إنكارها، خصوصًا في ظل غياب أي انتخابات حرة داخل إيران منذ عقود.
في النهاية، ما جرى في بروكسل ليس مجرد حدث عابر، بل نقطة تحول في معادلة الصراع الإيراني. المعارضة لم تعد صوتًا هامشيًا، بل مشروعًا سياسيًا واضح المعالم، يحظى بدعم شعبي ودولي، ويطرح بديلاً ديمقراطيًا محددًا.