الخميس 18 ذو الحجة 1447 ﻫ - 4 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

"الدبلوماسية القسرية" كيف تعتمدها إدارة ترامب في التغيير في الشرق الأوسط؟

اتبع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تعامله مع ملفات الشرق الأوسط وإعادة صياغة الوضع الجديد في المنطقة، ومن ضمنها الملف اللبناني، “الديبلوماسية القسرية” أي تكثيف العمل الديبلوماسي بلهجة حاسمة لإجبار الأطراف التي يجب أن تصحح أداءها القيام بذلك.

وهذا المسار الأمريكي تم اتباعه مع لبنان قبل الحرب الإسرائيلية على “حزب الله”، ولا يزال متبعاً لإلزام “حزب الله” تسليم سلاحه للدولة اللبنانية. كما أنه متبع مع إيران قبل العملية العسكرية التي استهدفتها في حزيران الماضي، ولا يزال متبعاً معها حتى الآن، إلى ما بعد الحرب عليها للتخلي على إنجاز البرنامج النووي، الذي تعتبره واشنطن والغرب أنه يهدد العالم. كما هو متبع مع كل الجهات المنضوية تحت النفوذ الإيراني، من أجل إخضاعها لتصحيح أدائها.

الديبلوماسية القسرية أو الإكراه الاستراتيجي هي استراتيجية تفاوضية تستخدم فيها الدولة أدوات غير عسكرية، مثل التهديدات الاقتصادية أو السياسية، لفرض مطالبها على دولة أخرى بدلاً من اللجوء الفوري إلى القوة العسكرية الشاملة.

وتهدف هذه الاستراتيجية إلى إجبار الخصم على تغيير سياسته، أو تنفيذ مطالب معينة من خلال دمج التهديد أو “العصا” مع الترغيب أو “الجزرة” لتشجيع الدولة المستهدفة للحفاظ على مصالحها الوطنية.

وتعمل الديبلوماسية القسرية وفق التهديد الموثوق به، استخدام القوة أو التدابير الاقتصادية أو السياسية لإحداث خسائر كبيرة للدولة المستهدَفة أو للطرف المستهدف. ويفترض أن تكون المطالب واضحة وفي قدرة الجهة المستهدفة تنفيذها. كما يجب أن تجمع الديبلوماسية القسرية بين الضغط، وإظهار المكاسب المحتملة، بحيث تدرك الجهة المستهدفة، أن الالتزام بالمطالب يمثل الخيار الأقل ضرراً لها.

ويعتبر أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية في جامعة نورث كارولاينا ستايت البروفيسور خضر زعرور الذي أعد دراسة حول هذه الديبلوماسية، ان الديبلوماسية القسرية هي أقل من حرب، وأكثر من عقوبات، وهي أحد أنواع الأسلحة التي تؤدي دوراً في السياسة الخارجية الأميركية. إنها كناية عن ضغط سياسي، مضافاً إلى التهديدات باستخدام القوة، وهذه التهديدات تكون بصورة علنية أو مبطنة. كما يواكبها استجلاب البوارج الحربية العسكرية إلى المواقع حيث تستخدم الديبلوماسية القسرية. وهذه البوارج ليست لإظهار التدريبات، لكن بهدف التذكير بالقدرة على استخدام القوة، على أن يكون ذلك ممكناً في أية لحظة.

وأكد، أن الضربة الأميركية-الإسرائيلية لإيران في شهر حزيران الماضي، لم تكن فقط موجهة إلى إيران نفسها، بل حملت رسائل موجهة أيضاً إلى كل من روسيا والصين. وهذه الرسائل للفت الانتباه إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا بعيدتان، وقوتهما لن تتراجع، وأن قوة الولايات المتحدة تبقى الأولى في العالم، سيطرةً وهيبةً.

وأوضح البروفيسور زعرور، أن العقوبات الاقتصادية هي مرحلة أولى من الضغوط التي قد تصل إلى العمل العسكري لتحقيق الأهداف، وهو الأمر الذي يحصل في التعامل مع إيران وأذرعتها في المنطقة. كما أن ترامب في ولايته الأولى، استخدم الديبلوماسية نفسها ضد النظام السوري السابق ثلاث مرات، كما استخدمت هذه الديبلوماسية في التعامل مع الوضع السوداني، ومع كل من إيران وليبيا، والصين. ولو أن الأمور وصلت مع الصين إلى استخدام القوة، لكانت حصلت الحرب العالمية الثالثة. وفي الوقت نفسه، عمل ترامب حالياً على إضعاف أذرع إيران في المنطقة قبل الدخول مع إيران في حرب، بالتوازي مع التلويح باستخدام الحرب ضدها حتى الآن، للقول أن الولايات المتحدة على جهوزية دائمة لتنفيذ ما تريده وفي أي مكان في العالم. روسيا حالياً تُعد أنها الرابحة في الملف الأوكراني، لكن روسيا منهارة اقتصادياً، ويتم استنزافها، وان أوكرانيا حاربت عن الولايات المتحدة في حربها مع روسيا. كل الدول المستهدفة من هذه الديبلوماسية، لن تكسب شيئاً مقابل التزامها بما هو مطلوب منها.

في لبنان أعادت الإدارة الأميركية الموفدة السابقة مورغان أورتاغوس المتشددة إلى فريق عمل السفير توماس باراك. إن الأمر، بحسب زعرور، يمثل أحد أنواع الضغط المعنوي، مع نَفَس أميركي طويل، عندما وجدت الإدارة أن ذلك لازمًا، وأنه حان الوقت لإحراز نتائج في المسعى الأميركي خلال هذه المرحلة أكثر من أي وقت. فالإدارة الأمريكية تضغط من جهة، وتعرض أيضاً المساعدة في تنفيذ التفاصيل التي تؤدي الى نزع سلاح “حزب الله”.

وأشار إلى، أن الولايات المتحدة تستعين بحلفائها من الدول في العالم، للمساعدة في بلورة سياستها واستراتيجيتها تجاه ملفات دولية محددة. كمثل استخدامها للباكستان وكوريا الشمالية في ملف الصين. واستخدامها سابقًا ليوغوسلافيا، والآن بلاروسيا، وفي الماضي استخدام سوريا وكوبا في التعامل مع روسيا. الهدف أن الولايات المتحدة تريد السيطرة على كل المنطقة، ما يفرض عليها التعاون مع دول مؤثرة فيها. وتترافق التهديدات مع استراتيجية تعبيرية، من ضمنها صدور التصريحات المتناقضة، وهو ما تجلى قبل الحرب على إيران بأسبوعين على سبيل المثال، عندما فوجئت إيران بتوقيت الضربة. هذا فضلاً عن السيطرة على وسائل الإعلام، التي تلعب دوراً في سياق الديبلوماسية القسرية.

أمام كل ذلك، فإن السؤال المطروح انطلاقًا من الواقع اللبناني، حيث اتُبعت الديبلوماسية القسرية قبل الحرب على “حزب الله”، وبعدها، ولا تزال تُتبع حتى الساعة، كيف في استطاعة هذه الديبلوماسية أن تخترق المعارضة لها أو مواجهتها من “حزب الله”، ومن خلفه معارضة إيران، حيث عدم الامتثال للضغوط، لاسيما في ملف تسليم السلاح إلى الدولة، وحصرية السلاح بيدها. وما مستقبل هذا النوع من الديبلوماسية وكيف ستصمد تجاه كل التحديات التي تواجهها؟