
الرئيس جوزاف عون
في وقت فرض فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساراً حاسماً للملف اللبناني خلال بضع ساعات، برزت هذه المبادرة بوضوح كخطوة لفصل الملف اللبناني عن “نظام الملالي” وأجندته التي جعلت جغرافيا لبنان ساحة للتدمير الإسرائيلي، تزامناً مع تحديد موعد المحادثات الإيرانية – الأميركية. لم يأتِ تحرك إدارة الرئيس ترامب من فراغ، فقد سبق لرئيس الجمهورية جوزاف عون أن أطلق مبادرة التفاوض وكررها في أكثر من مناسبة، لكنها واجهت الرفض الإسرائيلي لأسباب ترتبط بشروط الطرفين، إلى أن جاء إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الموافقة على فتح مسار تفاوضي قبل بدء المحادثات الأميركية – الإيرانية.
انعقدت الجلسة الأولى من المحادثات، وتلتها الثانية، وأصر خلالها الرئيس ترامب على رغبته بحصول المصافحة بين الرئيس عون ونتنياهو. ورغم أن المحادثات لم تنتج أموراً ملموسة على الأرض، عدا الهدنة، جاء كلام ترامب، في ما يرتبط بقضية تجريم من يتعامل مع إسرائيل، بتصميمه على “إنهاء هذا القانون سريعاً”.
على المقلب اللبناني الداخلي، لم تبدُ الأمور تسير كما أراد الرئيس ترامب، أقله لناحية المواقف الرافضة للتفاوض المباشر وغير المباشر، وهو ما ظهر في مواقف المسؤولين والنواب في “حزب الله”. إلا أن الواقع على الأرض، مع انطلاق هدنة الأيام العشرة، أكد التزام الحزب ببنود الاتفاق قبل تمديد الهدنة. وهنا لا بد من المرور على موقف رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، الذي أعقب الإعلان عن الاتفاق بعدم الإشارة إليه، بل اكتفى بإصدار بيان ضمّنه تمنيات لأهل الجنوب بـ”التريث للعودة”، لكن عودة الغارات والاستهدافات المكثفة من الجيش الإسرائيلي “أخرجت الماء” من فم رئيس مجلس النواب، ليعلن عدم موافقته على المفاوضات المباشرة.
التحديات الخارجية
وفي سياق متصل، تؤشر الأحداث السابقة إلى عدم رضى أميركي عن مسار الدولة اللبنانية، لا سيما على صعيد قيادة الجيش، والذي تجلى واضحاً في “اللقاء العاصف” الذي جمع السناتور ليندسي غراهام مع قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل، والذي لم يدم سوى خمس دقائق فقط، وانتهى بانسحاب غراهام الغاضب، تعبيراً عن التشكيك وعدم التعويل على القيادة اللبنانية برمتها، معتبراً أن زمن المداهنة قد انتهى. تلا ذلك إلغاء وزارة الدفاع الأميركية اجتماعات كانت مقررة مع هيكل، احتجاجاً على بيان أصدرته قيادة الجيش، اعتبرته واشنطن “يلوم إسرائيل ويبرئ حزب الله”.
هذا التوتر انسحب على مواقف الإدارة الأميركية ككل، وفي هذا السياق، يرى محلل سياسي تحدث لـ”صوت بيروت إنترناشونال” أن واشنطن سبق أن لمّحت إلى أن زمن “الشيكات على بياض” قد ولّى، وهو ما جسده تصريح وزير الخارجية ماركو روبيو الحاد، بأن المساعدات العسكرية الأميركية للبنان لن تُمنح إلا إذا ارتبطت بنتائج ملموسة وحتمية في ملف نزع السلاح، بعيداً عن سياسات المجاملة التقليدية.
الانعطافة الكبرى
وهنا يُطرح السؤال: هل إن الضغوط الأميركية، أو ما يجري على الميدان اللبناني عسكرياً، قد أرخت بظلالها على الصعود المتدرج لمواقف الرئيس جوزاف عون، صاحب مبادرة التفاوض؟ الأمر الذي يعيدنا إلى مواقفه السابقة مع بدايات النزوح الكبير لأهالي الجنوب والضاحية، حيث كان عون يلعب دور المهادن بتركيزه على ما تعارف عليه بـ”البيئة المجروحة”، واصفاً الجيش بأنه الملاذ لـ”أهلنا الذين يدفعون الثمن”. هذه المقاربة بدت كوسيلة لنزع فتيل التوتر، محاولاً فصل “الناس” عن خيارات قيادتهم السياسية.
اليوم، يبدو أن الرئيس عون قد قرر اتخاذ انعطافة كبيرة لناحية مواقفه، بالتحول إلى المواجهة غير المباشرة، بدأت بخطابه عقب الهدنة، الذي أعلن فيه استعادة ما سماه “القرار الوطني المستقل”، مؤكداً أن الذهاب إلى المفاوضات لم يكن ضعفاً، بل قوة تهدف إلى حماية ما تبقى من وطن. وقد رسم عون، في ذلك الخطاب، ملامح مرحلة جديدة عنوانها بسط سلطة الدولة ورفض تحويل لبنان إلى “ساحة” أو ورقة تفاوضية بيد الأجندات الإقليمية، في إشارة واضحة إلى رغبته في فك الارتباط عن المحور الإيراني.
خطاب الحسم
في هذا السياق، اصطدمت اندفاعة الرئيس عون سريعاً بواقع الساحة الداخلية المرتبطة بـ”حزب الله”، والتي استمرت في رفضها التفاوض. وهنا لا بد من الإضاءة على كلامه الأخير خلال استقباله وفداً من حاصبيا ومرجعيون والعرقوب، الذي يدلل على منحى تصاعدي في مواجهة من ينتقده، وهو أمر كان يكرره في معظم إطلالاته، كونه يتعرض لهجوم دائم من أكثر من جهة، وهو ما أثبته كلامه باعتباره أن البعض “يبث السم”.
في هذا اللقاء، وجّه انتقاداً مباشراً وحاداً، متسائلاً: “هل عندما ذهبتم إلى الحرب، حظيتم أولاً بالإجماع الوطني؟”. هذه العبارة أراد عون من خلالها تحميل الحزب مسؤولية الانفراد بقرار الحرب والسلم، وتجاهل الإرادة الوطنية.
كان لافتاً في كلام الرئيس عون تصاعد الوتيرة في خطابه، حين طرح تساؤلات كثيرة، أبرزها قوله: “إلى متى سيظل أبناء الجنوب يدفعون ثمن حروب الآخرين على أرضنا، وآخرها حرب إسناد غزة وحرب إسناد إيران؟ فلو كانت الحرب تحصل من أجل لبنان، لكنا أيدناها، ولكن حين يكون هدف الحرب تحقيق مصلحة الآخرين، فأنا أرفض الحرب تماماً”.
وتابع بلهجة مباشرة: “لا يجوز أن يكون ولاء اللبنانيين إلا للبنان، وآن الأوان لنتخلص من الولاءات لبلدان أخرى تجرنا إلى حروب لتحقيق مصالحها على حساب شعبنا. لا علم للبنانيين غير العلم اللبناني، ومن يريد أن يحمل علماً آخر، فليذهب إلى البلد الذي يحمل علمه”.
أما في ما يتعلق باتهامه بالخيانة، فجاء رده حازماً: “ما نقوم به ليس خيانة، بل الخيانة يرتكبها من يأخذ بلده إلى الحرب تحقيقاً لمصلحة خارجية. هدفي هو الوصول إلى إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، على غرار اتفاقية الهدنة. فهل اتفاقية الهدنة كانت ذلاً؟ أؤكد لكم أنني لن أقبل بالوصول إلى اتفاقية ذل”.
ختاماً، هل سينجح الرئيس عون في تثبيت مواقفه الأخيرة لينطلق إلى تسمية الأمور بشكل مباشر، أم أن مواقف “حزب الله” التصعيدية قد تفرمل هذه الاندفاعة، في وقت اشتعل فيه الجنوب اللبناني مجدداً، وقد تتوسع دائرة نيرانه، كما أنبأنا الجيش الإسرائيلي، إلى البقاع والضاحية الجنوبية؟ وهذا ما قد يقودنا إلى عدم الرهان على جلسة ثالثة من المحادثات يمكن أن تُعقد في المدى القريب.