الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الضاحية تحت النار.. اغتيال الطبطبائي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة

في تحول مفاجئ، نفذت الطائرات الإسرائيلية غارة مباغتة على الضاحية الجنوبية في بيروت، وذلك للمرة الأولى منذ أشهر اغتالت خلالها قائد أركان حزب الله هيثم الطبطبائي وعدداً من كوادر الحزب في رسالة واضحة أعادت إلى الأذهان سلسلة الاغتيالات التي طالت معظم قيادات “حزب الله” خلال سنة واحدة، وأبرزهم الأمين العام حسن نصر الله وخليفته هاشم صفي الدين.

هذه الغارة الأخيرة على حارة حريك لا تأتي في فراغ، بل هي جزء من نمط استهدافات مستمرة اخترقت الهدنة التي بدأت في 27 نوفمبر 2024. فقد سبقها استهدافان رئيسيان آخران، في 1 أبريل 2025، تم اغتيال القيادي في “حزب الله” حسن علي بدير (المسؤول عن الملف الفلسطيني)، والذي زعم أنه كان ينسق عمليات مع نشطاء من “حماس” للتخطيط لهجوم ضد “إسرائيل”. كما تعرضت الضاحية في أوائل يونيو 2025 لغارات مكثفة استهدفت منشآت لتصنيع وتخزين الطائرات المسيرة تابعة للحزب وفق ما أعلنته “اسرائيل”.

بالعودة الى الغارة التي استهدفت منطقة حارة حريك. اكدت البيانات الرسمية أن الغارة استهدفت القيادي هيثم علي الطبطبائي، المعروف بـ “أبو علي”، وهو شخصية مطلوبة ليس فقط إسرائيلي بل أيضا أميركيا. الطبطبائي، يعد من أبرز القادة العسكريين في الحزب، وقد تولى قيادة “قوة الرضوان” وعمليات الحزب في سوريا واليمن، وفي منصبه الأخير كان يوصف بأنه قائد منظومة العمليات والمسؤول عن إدارة الحرب مع إسرائيل. وبذلك، تكون إسرائيل قد أقدمت على خطوة نوعية لتحقيق هدف يعتبر بالنسبة لجيشها “الأسمى”، خصوصا أن الطبطبائي كان يعد جسرا مهما وأحد اعمدة الحزب. ويفسر هذا الدور بأنه كان يمثل حلقة وصل استراتيجية وفعالة تربط بين وحدات النخبة ،كقائد سابق ل”قوة الرضوان” والقيادة العسكرية العليا، بالإضافة إلى دوره في نقل الخبرات وتنسيق العمليات عبر الحدود إلى الحلفاء الإقليميين. وقد أعلنت إسرائيل سابقا أنها حاولت مرتين استهدافه من دون نجاح. واللافت أن الإدارة الأميركية تضعه على قائمة المطلوبين مع مكافأة مالية كبيرة تصل إلى خمسة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه، ما يعني أن واشنطن نفسها كانت تريد رأسه، وأن العملية تحمل بصمة مزدوجة إسرائيلية–أميركية. كما أسفرت الغارة عن مقتل 5 أشخاص وإصابة 28 آخرين من المدنيين.

وفي أولى ردود الفعل من داخل الحزب، أشار رئيس المجلس السياسي في “حزب الله” محمود قماطي أن “المقاومة هي من تقرر كيفية الرد على هذا العدوان”، موضحًا أن القيادة تدرس الخيارات كافة وستتخذ القرار المناسب في الوقت الذي تراه ملائما، مشددا على أنّ الاتفاقيات مع إسرائيل “عديمة الفائدة” وأنّ كل الاحتمالات تبقى مفتوحة بعد هذا الهجوم.

هذا التطور يتقاطع مع التصريحات الإسرائيلية المتكررة، ومع ما تنشره الصحف الأجنبية عن محاولات “حزب الله” تعزيز قدراته العسكرية، وهي محاولات أكدها مسؤولون في الحزب أنفسهم. كما يندرج في سياق التهديدات العلنية التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ما يجعل الغارة الأخيرة أكثر من مجرد عملية تكتيكية، بل إشارة إلى مرحلة جديدة من المواجهة المحسوبة.

على المستوى الدولي، كشفت منصة “أكسيوس” عن مسؤول أميركي رفيع قوله إن واشنطن كانت على علم منذ أيام بأن إسرائيل تخطط للتصعيد في لبنان، لكنها لم تبلغ بتوقيت الضربة مسبقًا. وإذاعة الجيش الإسرائيلي أكدت أن الإبلاغ للولايات المتحدة جاء في لحظة التنفيذ فقط، نظرا لضيق الوقت، ما يعكس حساسية العملية وأبعادها السياسية. هذا التنسيق اللحظي يبرز أن الاستهداف لم يكن قرارًا إسرائيليًا منفردا، بل جزءا من مشهد أوسع تتداخل فيه الحسابات الأميركية–الإسرائيلية، حيث تتقاطع الأهداف الأمنية والعسكرية في شخص واحد هو الطبطبائي.

أما في الداخل اللبناني، فإن العملية تطرح تحديات إضافية على الدولة ومؤسساتها، التي تجد نفسها مرة أخرى خارج دائرة القرار الفعلي. فالغارة على الضاحية الجنوبية، بما تحمله من رمزية، قد تعيد خلط الأوراق الأمنية والسياسية، وتزيد من هشاشة الوضع الداخلي في ظل الانقسام الحاد بين القوى المحلية. كما أن استمرار استهداف شخصيات بارزة يضع لبنان أمام معادلة صعبة… كيف يمكن الحفاظ على الاستقرار الداخلي فيما تتصاعد المواجهة الإقليمية على أرضه؟

اغتيال الطبطبائي لا يُعد مجرد ضربة أمنية، بل خسارة استراتيجية لحزب الله. الرجل الذي يصنف بين أبرز العقول العسكرية للحزب شكل حلقة وصل في بناء القدرات الإقليمية، وغيابه يترك فراغا يصعب تعويضه سريعًا. وفقاً لمعلومات صحافية متداولة ، فإن الغارة جاءت بعد ما يقارب الساعة من انتهاء اجتماع ضم الطبطبائي وعددا من القيادات الأمنية في مختلف الأذرع العسكرية،كقوة الرضوان والقوة الصاروخية والدفاع الجوي والقوة البحرية. إن نجاح “القوات الإسرائيلية” في تنفيذ هذه العملية بهذا التوقيت والمدى يضع علامات استفهام كبرى حول قدرة “حزب الله” على تحصين بيئته القيادية. هذا الكشف الأمني يطرح تحديا مباشرا للرواية المتداولة داخل الحزب حول “معالجة الثغرات الأمنية بسرية”، ويشير بوضوح إلى أن ما حدث في الضاحية الجنوبية يعكس تعقيدا في المشهد الاستخباراتي ووجود اختراق كبير تتجاوز أبعاده مجرد عملية تكتيكية. كما تؤكد المؤشرات، وفقاً لتقارير إعلامية، على وجود تنسيق مباشر بين الطرفين الإسرائيلي والأميركي في تنفيذ هذه العملية، الأمر الذي يضخم من حجم التحدي الأمني المفروض. وفي ظل هذه الانكشافات والخسائر التنظيمية، يطرح تساؤل حول مستقبل ملف سلاح الحزب، خاصة وأن العديد من التحليلات تشير إلى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ما زالت تستخدم هذا الملف كورقة تفاوضية لا أكثر. لقد أظهرت العملية أن الضاحية نفسها لم تعد بمنأى عن الاستهداف، ما يضع الحزب أمام تحدٍّ مزدوج، إعادة تقييم ترتيب صفوفه داخليا، ومواجهة رسائل إسرائيلية – أميركية واضحة بأن القيادات العليا باتت أهدافا مباشرة وفعالة.

لكن الأهم أن هذا الاستهداف يأتي في لحظة حساسة داخليًا ودوليًا، فالتباينات التي رافقت بيان قيادة الجيش اللبناني دفعت الإدارة الأميركية إلى إلغاء مواعيد مع قائد الجيش، فيما تصريحات توم باراك أوحت بأنه نفض يديه من الساحة اللبنانية. هذه المؤشرات تجعل المشهد أقرب إلى ترك الساحة لإسرائيل كي تتحرك بحرية، وتطلق يدها بالكامل في تنفيذ ضربات واغتيالات تعتبرها أساسية في عملية منع الحزب من إعادة ترميم قدراته.