الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

القصة الكاملة لسقوط نوح زعيتر.. المطلوب الذي تحدّى القضاء الأمريكي واللبناني

سقوط “إمبراطور الظل” نوح زعيتر شكل زلزالا امنيا في المشهد اللبناني، إذ ألقى خبر توقيفه بظلاله الثقيلة على الساحة، متجاوزا في أهميته كل الأنباء الأخرى، حتى إلغاء زيارة قائد الجيش اللبناني إلى الولايات المتحدة والجدل حولها. اعتقال الرجل الذي ظل عصيا على القبض لأكثر من ثلاثة عقود اعتبر حدثا استثنائيا، فاقت أصداؤه العملية السابقة التي أسفرت عن مقتل “أبو سلة”، والتي تركت سؤالا معلقا، متى سيأتي دور نوح زعيتر؟.

العملية التي نفذتها مديرية المخابرات بكمين محكم ودون إراقة دماء أو اندلاع اشتباك في معقل نوح في الكنيسة حيث يقطن، فتحت الباب أمام تساؤلات واسعة حول توقيتها وظروفها. فريق من المراقبين رأى أن سقوطه لم يكن ليتم إلا بعد رفع الغطاء عنه من قبل المحور الذي كان يحميه، فيما اعتبر آخرون أن التوقيف يمثل “هدية ثمينة” لواشنطن التي كانت قد أدرجت اسمه على لائحة العقوبات الأميركية في مارس 2023 عبر مكتب مراقبة الأصول الاجنبية.

زعيتر في مرمى العقوبات الأميركية:

بيان وزارة الخزانة الأميركية يومذاك، وصف زعيتر بأنه تاجر أسلحة ومهرب مخدرات متورط في شبكة تهريب الكبتاغون الممتدة من لبنان وسوريا إلى المنطقة، تجارة تقدّر بمليارات الدولارات تُستخدم لدعم النظام السوري وتعميق حالة عدم الاستقرار الإقليمي. البيان أشار أيضا إلى علاقاته الوثيقة بالفرقة الرابعة في الجيش السوري بقيادة ماهر الأسد، وإلى ارتباطه بأعضاء في “حزب الله”، حيث قدم لهم خدمات مالية ولوجستية شملت تهريب الأسلحة والمخدرات، مؤكدا أن الهدف من إدراجه كان عزله عن النظام المالي والتجاري العالمي.

ولم يقتصر إدراج العقوبات الأميركية على نوح زعيتر وحده، بل شمل أيضًا حسن دقو الذي وصف إعلاميا بـ”ملك الكبتاغون”. ورغم أن لا أدلة قضائية علنية تثبت وجود علاقة مباشرة بين الرجلين، فإن واشنطن وضعت اسميهما في الإطار نفسه، باعتبارهما جزءا من شبكة تهريب أوسع تستخدم أرباحها في تمويل جهات إقليمية، بينها الفرقة الرابعة في الجيش السوري وقنوات مرتبطة ب”حزب الله”. بهذا الربط، بدا أن سقوط زعيتر يندرج ضمن مشهد أكبر تتداخل فيه تجارة المخدرات مع حسابات النفوذ والتمويل في المنطقة.

ورأى بعض المراقبين أن التوقيف لا يقتصر على كونه إنجازا أمنيا، بل يندرج أيضا في سياق أوسع من الضغوط المالية التي يتعرض لها الحزب. فبعد التضييق الذي طال مؤسساته المالية، مثل جمعية “القرض الحسن”، جاءت ضربة أخرى غير مباشرة عبر توقيف زعيتر، الذي ارتبط اسمه بشبكات تهريب تدر مليارات الدولارات. بهذا المعنى، بدا أن العملية تحمل في طياتها إشارة إلى سقوط جزء من الإمبراطورية المالية التي شكّلت أحد مصادر التمويل غير التقليدية في المنطقة.

سجل نوح القضائي والإعلامي

نوح زعيتر يعتبر من أخطر المطلوبين للقضاء اللبناني، إذ جاء توقيفه نتيجة عشرات الملاحقات ومئات مذكرات التوقيف الغيابية. محاميه اشرف الموسوي أكد في حديث متلفز، أن موكله صدرت بحقه نحو 150 حكمًا مؤبدا إضافة إلى حوالي ألف قرار غيابي. التهم الموجهة إليه شملت تجارة المخدرات والممنوعات، زراعة القنب والحشيش وتصنيعه وتهريب الكبتاغون، تشكيل عصابة مسلحة خارجة عن القانون، تهريب موقوفين بينهم شقيقه، وإطلاق النار على حواجز أمنية ومقاومة السلطات.

المحكمة العسكرية الدائمة أصدرت بحقه حكما غيابيا بالإعدام في مارس 2024 لارتكابه جرائم تشكيل عصابة مسلّحة وقتل عنصر من الجيش اللبناني ومحاولة قتل آخرين خلال عملية مداهمة في بعلبك عام 2022.

كما صدر بحقه حكم غيابي آخر بالأشغال الشاقة المؤبدة في نوفمبر 2018 لإقدامه على الاتجار بالمخدرات. شهرة نوح زعيتر الإعلامية بدأت بظهوره في مقابلات تلفزيونية عام 2015. الصور والتسجيلات المتداولة أكدت عمق علاقاته الإقليمية، حيث ظهر إلى جانب شخصيات مرتبطة بالنظام السوري أبرزهم وسيم بديع الأسد ابن عم الرئيس السابق بشار الاسد، ووجه تحية متلفزة للاخير، كما أعلن مشاركته في القتال إلى جانب قوات “حزب الله” في القلمون السورية.

زعيتر أعلن ولاءه صراحة بالقول: “أنا مقاوم منذ خلقت، ونحن حزب الله منذ خلقنا”، وانتشرت صور له مع مقاتلين بزي الحزب عام 2015، فيما أصدر “حزب الله” نفيا رسميًا لأي علاقة له بتلك الصور، رغم أن تقارير أمنية وإعلامية أشارت إلى وجود غطاء أو تعاون بينه وبين شبكات النفوذ في المنطقة.

من أبرز تصريحاته المثيرة للجدل ما قاله في مقابلات تلفزيونية حين اتهم السياسيين اللبنانيين بأنهم يتعاطون المخدرات، واقترح ساخرا أن يعطوا جرعة من الحشيش “ليصحصحوا” ويقوموا بواجبهم تجاه الشعب. بهذه التصريحات حاول أن يصور نفسه كضحية لغياب الدولة، أو كشخص يمارس نشاطه في ظل فساد أكبر يمارسه النظام السياسي، مشيرًا إلى أن جرائم السياسيين في بيع الدولة والفساد تفوق جريمته في تجارة الحشيش. بتوقيف نوح زعيتر يوم الخميس 16 نوفمبر 2025، طويت صفحة من أخطر ملفات المخدرات والجريمة المنظمة في لبنان، بعد عقود من المطاردة وأحكام غيابية وصلت إلى الإعدام والمؤبد، وعقوبات أميركية صارمة ربطت نشاطه بشبكات إقليمية معقدة. ورغم أن العملية الأمنية وصفت بالاحترافية البحتة، فإن توقيتها أثار تساؤلات سياسية حول الرسائل الموجهة إلى الخارج، خصوصا واشنطن. ويبقى السؤال الابرز بعد سقوط نوح زعيتر، هل طويت فعلا صفحة الإمبراطورية المالية المرتبطة بهذه الشبكات، أم أن هناك أسماء أخرى ما زالت طليقة، تدر الأموال بصمت بعيداعن الأضواء الإعلامية، وتشكل “كارتيلًا” أكبر لم يكشف بعد؟.