الثلاثاء 7 صفر 1448 ﻫ - 21 يوليو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

"المارد السني" في مواجهة مفتوحة مع مستبيحي السيادة وصناع العدالة المجتزأة!

تفتح التجاذبات الراهنة حول “قانون العفو العام” الباب واسعًا لإعادة قراءة المرحلة السياسية السابقة، وهي مرحلة طبعت الحياة الوطنية بمسار طويل من تهميش المكونات الأساسية، وهو ما حصل مع المكون المسيحي وانتقل لاحقًا إلى المكون السني. وفي هذا الإطار، توقفت شخصية بارزة عاصرت أدق المحطات السياسية والأمنية، في حديث خاص لموقع “صوت بيروت إنترناشونال”، مؤكدةً أن ما جرى على مدى عقود لم يكن مجرد أحداث عابرة، بل مخططًا واضحًا بدأ بالاغتيالات وانتهى بمحاولات شيطنة الطائفة السنية وإلصاق تهمة الإرهاب بها كصفة ثابتة.

وتتابع الشخصية حديثها بالمقارنة بين مشهدين متناقضين؛ الأول يمثله “الثنائي”، وعلى رأسه الجناح العسكري لـ”حزب الله”، الذي شرّع لنفسه استباحة السيادة اللبنانية، بأيديولوجيته المستمدة من نظام “الولي الفقيه”، والتي حملت شعار نصرة المستضعفين في العالم. فكان دخول الحزب إلى سوريا تحت شعار حماية المقامات المقدسة، إلى أن تكشفت لاحقًا الحقيقة المرة، وهي محاربة وقتل من ثار على ظلم نظام آل الأسد، والتي ذهب ضحيتها ما يفوق المليون ونصف المليون من أبناء الشعب السوري، يضاف إليهم ملايين اللاجئين الذين تشتتوا في دول العالم، بالتكافل والتضامن مع نظام الأسد، قبل أن تمتد هذه السياسات إلى العراق، والشواهد على ذلك كثيرة.

فرض “الثلاثية”

أما في الداخل اللبناني، فقد تمثلت الهيمنة بالسيطرة على مفاصل الدولة ومصادرة قرار مجلس الوزراء، عبر فرض ثلاثية “جيش وشعب ومقاومة” في البيانات الوزارية لسنوات طويلة. ولم يقف الأمر عند القرار السياسي، بل استُكمل بتصفية القامات التي أرادت بناء دولة مزدهرة، وكان على رأسها الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي شكّل اغتياله ضربة قاضية لمشروع الاعتدال في لبنان، وهو الذي لم يميز يومًا بين منطقة وأخرى.

فالحريري، المهندس الدبلوماسي لـ”تفاهم نيسان” عام 1996، أمّن شبكة أمان للجنوب ولبنان، فكان الاغتيال بمثابة مكافأة على تضحياته. وتستعيد الشخصية، بمرارة، كواليس تلك الحقبة، قائلة إن الحريري كان مسكونًا بهاجس الإعمار، ولم يتدخل في الزواريب الضيقة، معتمدًا معادلة: “السياسة لكم، أما الاقتصاد والإعمار فلي”، وقد كررها على مدى سنوات.

وبحسب محدثي، كان الرئيس الشهيد بمثابة المستشار الاقتصادي الأول لنفسه، لا يحتاج إلى خبراء يرسمون له الخطط، بل كان شغفه الحقيقي يكمن في قراءة الخرائط بيده، وشرح تفاصيل المشاريع ومستقبل شبكات الطرق بشغف كبير وعناية فائقة، كأنه يبني حلم وطن بأكمله.

تصفيات سياسية وجسدية

لكن هذه المنظومة، التي اغتالت الحريري ووضعت المتهمين بالجريمة في مصاف القديسين، لم توقف آلة الموت عند هذا الحد. وهنا يستذكر المصدر مفتي الجمهورية الشهيد الشيخ حسن خالد، الذي اغتيل لمجرد رفضه تركيع بيروت ومصادرة القرار الوطني المستقل.

وتوالت التصفيات لتطال الرموز السياسية والدينية، وصولًا إلى العقول الأمنية التي كشفت الحقيقة، فاغتيل الرائد وسام عيد بعد تفكيكه شفرات الاتصالات المعقدة، ولحق به رئيس فرع المعلومات اللواء الشهيد وسام الحسن، الذي تمكن من كشف شبكات التفجير العابرة للحدود.

أما عسكريًا، فقد تُرجمت الهيمنة بما عُرف بـ”أحداث 7 أيار”، حين وُجّه السلاح، الذي قيل عنه إنه “مقدس”، نحو أبناء بيروت والجبل لفرض شروط سياسية بقوة الأمر الواقع، وهو ما اعترف به الحزب وأمينه العام السابق حسن نصر الله، حين وصف تلك الأحداث بـ”اليوم المجيد”.

عدالة انتقائية

ويرى محدثي أن السيطرة والهيمنة ما زالتا مستمرتين من خلال “قانون العفو العام”، حيث يتبين، بحسب تعبيره، أن هناك “طبخة” تجري بين الحزب وحلفائه في البرلمان لتفصيل القانون على قياس مصالحهم.

وتعتبر الشخصية أن الحملات الإعلامية التي ترفع شعار “رفض العفو عمن قاتل الجيش” هي كلمة حق يُراد بها باطل، فالمبدأ وطني بامتياز، لكن الحقيقة داخل غرف التحقيق والمحاكم العسكرية، وفق المصدر، تثبت أن ملفات عدد كبير من الشباب السنة جرى فبركتها واجتزاء وقائعها، مع إخفاء العديد من الأدلة عمدًا، بهدف تبرئة المحرضين الحقيقيين وإلباس التهم للمستضعفين.

وفي هذا السياق، يبرز ملف الشيخ أحمد الأسير وموقوفي أحداث عبرا، كدليل صارخ على المظلومية وازدواجية المعايير، إذ إن التذرع بهيبة المؤسسة العسكرية لإبقاء الأسير ومجموعته في السجون، يُعدّ، بحسب المصدر، قمة الانتقائية، خصوصًا أن التاريخ اللبناني مليء بشواهد لجهات قتلت ضباطًا وعناصر من الجيش.

وهنا، يشير المصدر إلى ما وصفها بـ”أبرز صفقة”، والتي أمنت ترحيل من قتلوا عناصر الجيش في “الباصات الخضراء” المكيفة، من دون أن تتحرك حمية المنظومة أو تعترض على تلك التسويات.

أدلة تورط طرف ثالث

وبالعودة إلى أحداث عبرا، يتساءل محدثي: لماذا لم تستجب الدولة لمطالب وكلاء الدفاع، الذين يؤكدون امتلاكهم أدلة توثق وجود طرف ثالث مسلح ينتمي إلى “سرايا المقاومة” التابعة للحزب، كان ينتشر في الشقق المحيطة بمسجد بلال بن رباح، وهو من أطلق الرصاصة الأولى باتجاه حاجز الجيش، بهدف جرّ المؤسسة العسكرية والشيخ الأسير إلى مواجهة دموية معدّة سلفًا في الغرف المغلقة؟

ورغم هذه القرائن، يؤكد المصدر أن قوى الأمر الواقع مارست ضغوطًا هائلة لتبرئة هذا الطرف وإخفاء هوية المحرضين والمستفيدين.

ولا ينفصل هذا المشهد عن جولات الاقتتال الـ21 في طرابلس بين باب التبانة وجبل محسن، والتي استُغل خلالها شباب الفيحاء لشيطنة المدينة، بينما كان الجميع يعلم، وفق المصدر، من هي الجهات والأجهزة التي كانت تمول وتغذي الفتنة بالمال والسلاح، لتبقى طرابلس مجرد “صندوق بريد”، فيما يدفع أبناؤها الثمن عبر سنوات من السجن من دون محاكمات عادلة.

ويختم محدثي كلامه بالإشارة إلى حادثة الروشة، كدليل على محاولات كسر هيبة العاصمة ومؤسساتها، وهي ممارسات تتقاطع، بحسب رأيه، مع السلوك التعطيلي المستمر، ومنها كسر قرار رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، الذي وضع شروطًا تمنع إنارة صخرة الروشة لغايات حزبية، ليتحداه رئيس وحدة التنسيق والارتباط في “حزب الله” وفيق صفا علنًا من ساحة الروشة بعبارته: “جايين نضويها”.

ويؤكد المصدر أن ذلك يعكس إصرار المنظومة على إقصاء خيارات الدولة والشرعية لصالح منطق الاستقواء وفرض الأمر الواقع، إلا أن هذا المسار، بحسب تعبيره، لن يستمر، وأن خيار استرداد التوازن بين المكونات اللبنانية بدأت فصوله تُكتب، وأن السيادة ستعود إلى الدولة عاجلًا أم آجلًا، وستنكسر الحلقة التي طُوقت فيها المكونات اللبنانية لمصلحة نظام الملالي في طهران.

ويختم بالقول إن التظاهرات الحاشدة الأخيرة، والمشاركة الشعبية الواسعة، ورفع الصوت في الساحات، تشكل مؤشرًا إلى أن قرار كسر قاعدة التهميش قد اتُّخذ فعليًا في الشارع، وأنه “لا عودة إلى الوراء”، معتبرًا أن المواجهة السياسية باتت حتمية لوضع حد نهائي لسياسات الاستقواء والإقصاء، واستعادة قرار الدولة والسيادة اللبنانية.