السبت 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 6 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

النظام الصاروخي الإيراني وأذرعه.. هل يصبحان الهدف الأمريكي التالي بعد المنشآت النووية؟

يشهد المسرح الإقليمي توترًا غير مسبوق. ففي أعقاب ضربات استهدفت منشآتها النووية، ردت إيران بالفعل بشن هجوم صاروخي واسع النطاق على إسرائيل، مستخدمة أعدادًا كبيرة من صواريخها، بما في ذلك طراز خيبر الجديد، وتسببت بأضرار في الأراضي الإسرائيلية. ترافق ذلك مع تهديدات إيرانية صريحة بضرب المصالح الأمريكية “في أي مكان”. هذا التطور، الذي دفع بالقواعد الأمريكية لحالة تأهب قصوى، يطرح تساؤلات جدية حول تحول الصواريخ الإيرانية إلى هدف أمريكي رئيسي بعد المنشآت النووية. فهل ستتولى الولايات المتحدة مهمة تحييد هذه الترسانة الصاروخية أم ستتركها لإسرائيل؟

التهديد الصاروخي الإيراني
تمتلك إيران ترسانة صاروخية ضخمة ومتنوعة، تعد من الأكبر في الشرق الأوسط. تشمل هذه الترسانة صواريخ باليستية وصواريخ كروز بمديات مختلفة، قادرة على استهداف قواعد عسكرية أمريكية وحلفائها، والوصول إلى أهداف أبعد. وقد أكد خبير عسكري أن هذه القدرات الصاروخية تمنح إيران قوة ردع تقليدية مهمة. القدرة على الردع من أهم أسباب حيازة إيران لهذه الصواريخ، إذ يمكنها أن تشكل تهديدًا مباشرًا للقوات الأمريكية وحلفائها في المنطقة، مما يجعل تحييدها ضروريًا لتقليل قدرة إيران على الرد على أي هجمات نووية. كما أن هذه الصواريخ تُعتبر عاملًا مزعزعًا للاستقرار الإقليمي، لأنها تثير قلق دول الجوار وقد تساهم في سباق تسلح محتمل. بالإضافة إلى ذلك، تستخدم إيران قدراتها الصاروخية لدعم الجماعات المسلحة والوكلاء في المنطقة، مما يعزز نفوذها ويقوض الأمن.

سيناريوهات الاستهداف والردود المحتملة
في أعقاب الهجمات على المنشآت النووية، وبعد الرد الصاروخي الإيراني الذي تسبب بأضرار، تبرز الحاجة لتحييد النظام الصاروخي الإيراني لمنع إيران من مواصلة استخدام صواريخها للرد، وبالتالي تقليل مخاطر التصعيد. يهدف ذلك أيضًا إلى تجريد إيران من ورقة مساومة قوية، وإزالة أحد أهم الأوراق التي تمتلكها طهران في أي مفاوضات مستقبلية. كما يهدف هذا الاستهداف إلى تقليل التهديد الإقليمي وطمأنة الحلفاء في المنطقة بأن تهديد الصواريخ الإيرانية قد تم التعامل معه.

لكن استهداف النظام الصاروخي يحمل في طياته مخاطر كبيرة. فقد يؤدي إلى تصعيد أكبر للصراع، وجر الولايات المتحدة إلى حرب إقليمية أوسع نطاقًا. وقد تدفع الضربات إيران إلى تطوير قدرات صاروخية أكثر سرية أو توزيعها على مجموعات أخرى، مما يزيد من صعوبة تتبعها. علاوة على ذلك، قد تدفع إيران إلى ردود فعل غير متوقعة أو غير متناسبة، مما يعقد الوضع الأمني بشكل كبير. من التساؤلات الملحة التي تطرح نفسها الآن، هو دور أذرع إيران في هذا الصراع. فهل ستتلقى هذه الأذرع إيعازًا لاستعمال ما تملكه من صواريخ، حتى وإن كانت بأعداد قليلة، لإرباك المشهد الأمني، حيث قد تتزامن هذه الضربات مع الضربات الإيرانية الرئيسية لإرباك منظومات الدفاع الإسرائيلية وإنهاكها؟ يبقى تحديد ما إذا كان النظام الصاروخي الإيراني سيكون الهدف التالي يعتمد على التطورات الجيوسياسية، تقديرات التهديد، والأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة.

أنواع الصواريخ الإيرانية وقدراتها
تمتلك إيران ترسانة صاروخية واسعة ومتطورة، قامت بتطويرها بشكل كبير مع التركيز على التصنيع المحلي والاكتفاء الذاتي. يمكن تصنيف هذه الصواريخ إلى عدة فئات رئيسية. وقد أشار خبير عسكري إلى أن التنوع في هذه الترسانة يمثل تحديًا كبيرًا لأي منظومة دفاع جوي، نظرًا للكم الهائل والأنواع المختلفة من الصواريخ التي يمكن إطلاقها.

تشمل هذه الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، مثل شهاب-1 الذي يصل مداه إلى 300 كيلومتر، وشهاب-2 بمدى 500 كيلومتر، وقيام-1 بمدى 800 كيلومتر، وفاتح-110 الذي يتميز بدقته، وذو الفقار بمدى 700 كيلومتر. أما الصواريخ الباليستية متوسطة المدى، فتشمل شهاب-3 الذي تجاوز مداه 1000 كيلومتر، وتطور منه صاروخ قدر بمدى يصل إلى 2000 كيلومتر. سجيل هو صاروخ باليستي متطور يعمل بالوقود الصلب على مرحلتين، ويُعد من أسرع الصواريخ الإيرانية بمدى 2000 كيلومتر. خرمشهر هو صاروخ باليستي بعيد المدى، ونسخته الأحدث والأكثر تطورًا هي خيبر، والتي يمكن أن تحمل رؤوسًا متعددة وتصل إلى مدى 2000 كيلومتر أو أكثر. ومن هذه الفئة أيضًا عماد الموجه، وحاج قاسم الذي يتميز بدقته، وخيبر شكن الذي يُقال إنه يتمتع بقدرة عالية على المناورة. ويشير الخبير العسكري إلى أن صواريخ مثل سجيل وخيبر تثير قلقًا خاصًا بسبب سرعتها وقدرتها على تجاوز بعض أنظمة الدفاع الصاروخي الحالية.

تتزايد قدرة إيران في مجال صواريخ كروز، وتتميز هذه الصواريخ بقدرتها على الطيران على ارتفاعات منخفضة وتجنب الرادار. من أمثلتها سومار بمدى يصل إلى 3000 كيلومتر، وهويزة بمدى 1350 كيلومترًا، وباوه بمدى 1650 كيلومترًا. ولديها صواريخ كروز مضادة للسفن مثل قدير، وصواريخ هاربون التي حصلت عليها قبل الثورة وقامت بتطوير نسخ محلية منها. ويضيف الخبير أن صواريخ كروز تمثل تحديًا مختلفًا لأنظمة الدفاع الجوي بسبب مسار طيرانها المنخفض وقدرتها على المناورة، مما يجعل كشفها واعتراضها أكثر صعوبة في بعض الأحيان.

الصواريخ الفرط صوتية تعتبر أحدث إضافة للترسانة الإيرانية. من هذه الفئة، يوجد فتاح-1 وهو صاروخ باليستي فرط صوتي يعمل بالوقود الصلب، ويُزعم أنه قادر على المناورة بسرعات عالية جدًا لتجنب أنظمة الدفاع الصاروخي. وهناك أيضًا فتاح-2، وهي نسخة مطورة يُقال إنها تتميز بقدرات أعلى على المناورة والسرعة، مما يجعل اعتراضها شبه مستحيل. وفقًا للخبراء العسكريين، فإن الصواريخ الفرط صوتية تغير قواعد اللعبة في الحرب الصاروخية، نظرًا للسرعات القصوى والقدرة على تغيير المسار أثناء الطيران، مما يجعلها أهدافًا بالغة الصعوبة لأنظمة الدفاع الجوي الحالية والمستقبلية القريبة.

إضافة إلى ذلك، طورت إيران مجموعة من أنظمة الدفاع الجوي المحلية وصواريخها، مثل صواريخ صياد التي تستخدم مع أنظمة دفاع جوي كباور 373، ونظام مرصاد الذي يعتمد على صواريخ محلية مطورة، ونظام رعد للدفاع الجوي قصير المدى. كما تمتلك صواريخ مضادة للدروع ومضادة للسفن مثل ألماس ودهلاوية ونصر.

تجدر الإشارة إلى أن إيران تعتمد بشكل كبير على الوقود الصلب في صواريخها الحديثة، وقد أعلن الحرس الثوري الإيراني أن هجمته الأخيرة تضمنت إطلاق أربعين صاروخًا يعمل بالوقودين الصلب والسائل. وهذا يؤشر إلى أن هذا الأمر يوفر لها مزايا تشغيلية مثل سرعة الإعداد للإطلاق وسهولة النقل والتخزين. كما تمتلك عددًا كبيرًا من المدفعية الصاروخية والطائرات المسيرة التي تستخدم مع الصواريخ الباليستية والكروز لزيادة تعقيد الهجمات وإرهاق أنظمة الدفاع الجوي للخصم. يجب الإشارة أيضًا إلى أنه يصعب التحقق بشكل مستقل من جميع القدرات والمديات المعلنة من قبل إيران لبعض صواريخها. تهدف هذه الترسانة الصاروخية إلى توفير قوة ردع تقليدية لإيران، خصوصًا ضد التهديدات الإقليمية، ولإظهار قدرتها على استهداف مصالح خصومها في المنطقة.

مواقف الدول بشأن البرنامج الصاروخي الإيراني
إن مواقف الدول والكيانات الدولية من البرنامج الصاروخي الإيراني تتسم بالتعقيد وتتأثر بالعديد من العوامل الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية. هذا البرنامج لم يغب عن محور اهتمام صناع القرار في واشنطن والعواصم الأوروبية، بل كان دائمًا على بساط البحث منذ عهد إدارة ترامب وإصرارها على ضمه إلى أي اتفاق مستقبلي، وظل نقطة خلاف رئيسية في أي مفاوضات حول الملف النووي الإيراني. وقد شكّل هذا البرنامج تهديدًا مستمرًا، سابقًا وحاليًا، للمصالح الإقليمية والدولية.

لطالما أصرت الولايات المتحدة الأمريكية على أن البرنامج الصاروخي الإيراني يجب أن يكون على طاولة أي مفاوضات مستقبلية مع طهران، خاصة بعد انسحابها من الاتفاق النووي في عام 2018. ترى واشنطن أن قدرة إيران على تطوير ونشر الصواريخ الباليستية، بما في ذلك الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية، تشكل تهديدًا كبيرًا للأمن الإقليمي والدولي، ويعتبر هذا الموقف جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية “الضغط الأقصى” التي تهدف إلى كبح جماح النفوذ الإيراني في المنطقة. ورغم التهديدات، قد تفضل واشنطن استراتيجية الردع وتقليل التصعيد، مع إبقاء خيارات الرد العسكري مطروحة، ومع التركيز على دعم إسرائيل بقدرات دفاعية متقدمة لمواجهة التهديدات الصاروخية الإيرانية بشكل مباشر.

من جهتها، تؤكد بريطانيا، على لسان رئيس وزرائها كير ستارمر، أنه “لا يمكن السماح لإيران أبدًا بتطوير سلاح نووي”، مشددًا على دعم بلاده للإجراءات الهادفة إلى الحد من هذا التهديد، بما في ذلك ضرورة إدراج البرنامج الصاروخي الإيراني في أي حوار مستقبلي، معتبرًا إياه جزءًا لا يتجزأ من التهديد الشامل الذي تشكله إيران على الأمن الإقليمي والدولي. هذا يعكس رؤية مشتركة بضرورة التعامل بجدية مع التهديد الإيراني، بما في ذلك برنامجه الصاروخي.

تعتبر إسرائيل الترسانة الصاروخية الإيرانية، بما في ذلك تلك التي يمتلكها وكلاء إيران في المنطقة، تهديدًا وجوديًا، وتسعى جاهدة لتحييدها أو إضعافها بأي وسيلة ممكنة، بما في ذلك الضربات الاستباقية أو الدفاعية، مع الأخذ في الاعتبار تداعيات أي عمل عسكري. كما تسعى لتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي مع دول المنطقة لمواجهة التهديدات المشتركة من إيران ووكلائها، بما في ذلك تبادل المعلومات حول القدرات الصاروخية.
يميل الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية الكبرى كفرنسا وألمانيا إلى تفضيل الحلول الدبلوماسية والتفاوضية للتعامل مع برنامج الصواريخ الإيراني، مع تجنب التصعيد العسكري الذي قد يزعزع استقرار المنطقة بشكل أكبر. يدعمون إدراج قضايا الصواريخ في أي مفاوضات مستقبلية مع إيران، لكنهم قد يختلفون حول مدى فعالية العقوبات وحدها كوسيلة لتحقيق ذلك. وقد أبدت بعض الدول الأوروبية رغبتها في الحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران أو إحياء نسخة منه، مع محاولة إدماج قضايا الصواريخ في إطار أوسع من المفاوضات.

في الختام، يبدو أن المشهد الدبلوماسي والأمني يزداد تعقيدًا، حيث تتشابك المواقف وتتداخل الأهداف. فهل تنجح الدبلوماسية في لجم هذا التهديد، أم أن خيارات التصعيد العسكري ستظل مطروحة؟