
الرئيس الأميركي دونالد ترامب
سكتت المدافع وهدأ هدير الطائرات الحربية الإسرائيلية فوق قطاع غزة، وبات لا صوت يعلو على إرادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ،وهو إحلال السلام في العالم وفي الشرق الأوسط على الخصوص، الذي حدد مساره منذ ولايته الأولى.
في شرم الشيخ اجتمعت القيادات الإقليمية والدولية في قمة أُطلق عليها “قمة السلام” وهي الأضخم، برئاسة مشتركة بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس ترامب، وبمشاركة أكثر من 30 دولة، لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار بتوقيع بنود خطة ترامب لإنهاء حرب غزة التي استمرت عامين.
وهكذا، يمكن القول إن “باخرة ترامب للسلام” قد أبحرت فعليًا من شواطئ غزة، محمّلة بتفاهمات إقليمية ودولية غير مسبوقة. لكن التساؤل الذي يفرض نفسه الآن: ما هي المحطة التالية لهذه الباخرة؟ ومن سيصعد على متنها؟ ومن سيبقى على اليابسة يراقب من بعيد؟
ترامب يُكرّس نفسه “راعيًا أوحد”
القمة ليست مجرد مؤتمر، بل لحظة تاريخية ارتفع فيها منسوب الرهان الإقليمي بشكل غير مسبوق ، لإحلال السلام في المنطقة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب قطع مسافة هائلة وسافر شخصيًا ليرعى الاتفاق، مستهلًا جولته بخطاب تاريخي أمام الكنيست الإسرائيلي قبل التوجه إلى شرم الشيخ. وقد تزامنت جولته مع إتمام أهم بنود الاتفاق وهي عملية تبادل الأسرى الكبرى بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
في خطابه أمام الكنيست، حصد ترامب احتفاءً غير مسبوق، تفوّق فيه على نتنياهو، وقد يجني ثماره في الانتخابات النصفية القادمة. حرص ترامب على ترسيخ صورة الولايات المتحدة كراعية وحيدة للتسوية، معلنًا نهاية الحرب، وداعيًا الرئيس الإسرائيلي إلى “عفو استثنائي” عن نتنياهو. وهذه الخطوة ستضمن تبعية نتنياهو الكاملة للمخططات القادمة للرئيس ترامب، كما أنها تُعد دعماً متبادلاً يخدم أجندته الشخصية.
في المؤتمر الصحفي اللاحق مع الرئيس السيسي، عزّز ترامب هذا التوجّه، مؤكداً التحالف الاستراتيجي بين واشنطن والقاهرة، ومشيداً بدور مصر في إنجاح الاتفاق. كما أعلن بوضوح “أن “الوثيقة التي وقعناها للتو تاريخية”، مؤكداً أن الوسطاء “حققوا معًا ما قال الجميع إنه مستحيل وهو السلام في الشرق الأوسط”. مضيفاً بلهجة حاسمة أن “حرب غزة انتهت والمساعدات بدأت في التدفق”، ومحذراً في الوقت ذاته من أن “مرحلة إعادة بناء غزة قد تكون الأصعب”. خاتماً تصريحه بأن إعمار القطاع “يتطلّب أن يكون منزوع السلاح”.
حقيقة الغياب: طهران خارج دائرة القرار
في خضم هذا التوافق الدولي والحشد الإقليمي، إيران لم تشارك في قمة شرم الشيخ. هذه الحقيقة تمثل انسحاباً استراتيجياً من قلب المعادلة التي تُصاغ. ففي اللحظة التي يتم فيها تثبيت وقف إطلاق النار وتوقيع الاتفاقيات النهائية، كانت طهران غائبة عن طاولة المفاوضات والقرار. ورغم غيابها، أشار ترامب إلى إمكانية التوصل إلى اتفاقات مستقبلية معها، ما يعكس رغبة في إعادة ضبط التوازن الإقليمي بشروط أميركية. لكن الغياب عن المشاركة فوّت على إيران فرصة التأثير في هذه الترتيبات المصيرية، وترك الباب مفتوحاً لبقية الأطراف لتقرير مصير المنطقة دونها.
إن عدم تواجد إيران في القمة يمثل خسارة استراتيجية كبيرة على عدة مستويات، أبرزها تجميد فاعلية ورقتها العسكرية في غزة. كون الاتفاق يحدد مستقبلاً أمنياً جديداً للمنطقة، ورفض الأخيرة حضور القمة أخرجها فعلياً من أي دور تفاوضي أو رقابي في الترتيبات الأمنية. وهذا يعني تجميداً عملياً لنفوذها في صياغة القوانين والآليات الخاصة بقطاع غزة، ويحد من قدرتها على تجديد قوة وكلائها العسكرية عبر قنوات الدعم المادي واللوجستي.
كما أن القمة توفر مقعداً للدول التي ستكون رعاة وضامنين للسلام. حضور قادة الأردن، قطر، الكويت، والبحرين، يعكس إجماعاً إقليمياً يدور في فلك الرعاية الأميركية. عدم وجود إيران ترك الساحة فارغة للمنافسين، ومنح واشنطن تفويضاً سياسياً غير مسبوق لترسيم مستقبل المنطقة. وبهذا، أصبحت إيران في موقف المتفرج، خارج المعادلة العسكرية والسياسية.
في الختام يبدو اننا في ظل تحول “جيوسياسي”، حيث يشهد الشرق الأوسط إعادة تشكيل غير مسبوقة، تقودها واشنطن وتُدار بشراكات إقليمية جديدة. وبينما تبحر “باخرة ترامب للسلام” نحو محطات قادمة، يبقى غياب إيران عن المشهد بمثابة إعلان غير مباشر عن نهاية مرحلة وبداية أخرى، تُرسم ملامحها دون حضورها، وربما ضد مصالحها.