
المبعوث الأمريكي توم باراك
سيطرت لوحة جديدة على المشهد اللبناني، تتمثل في زيارة السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص، توم باراك، برفقة نائبة المبعوث الأميركي للشرق الأوسط مورغان أورتاغوس. هذه الزيارة التي حملت طابعاً استثنائياً من حيث التوقيت والمضمون، لعل أبرز ما لفت فيها هو الصمت الذي تحصنت به مورغان أورتاغوس، على عكس صراحتها المعهودة التي كانت تثير الجدل في السابق. هذا الأمر يوحي بأن هناك خطين متوازيين يعمل عليهما الثنائي، لكنهما يشكلان تكاملاً ضمن حراك أميركي أوسع، وهو ما يُبدّد الاعتقاد السابق بأن خروج مورغان من المشهد كان تغييراً في مقاربة لبنان.
عودة أورتاغوس: قرار أميركي حاسم
في السابق، كانت مورغان أورتاغوس قد أثارت ضجة كبيرة عند وصولها إلى لبنان بلسانها الصريح الذي لا يعرف التغليف، حيث كانت مواقفها المباشرة تقلب المشهد اللبناني. وعندما خرجت من المشهد السياسي، شعر البعض بالارتياح، لكن الرئيس الأمريكي أسند إليها بالفعل مهمة أخرى، ليُرسل بعدها الأمريكي اللبناني الأصل توم باراك، الذي يُقال إنه يعمل على خارطة أوسع للقضايا الإقليمية تشمل لبنان وسوريا انطلاقاً من تركيا.
تم الإعلان عن عودة المبعوثة الرئاسية الأمريكية، مورغان أورتاغوس، لتتولى الملف اللبناني ومسار المفاوضات مع إسرائيل، وذلك بطلب مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقد أكد المبعوث توم براك هذا القرار أمام المسؤولين اللبنانيين، بمن فيهم الرئيس جوزاف عون، ومن المتوقع أن يُثير هذا الخبر ردود فعل متباينة، إذ يُرحّب به خصوم “حزب الله”، بينما يرفضه مناصروه.
رسالة باراك: نقاط على الحروف
تأتي مهمة باراك الحالية لتتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي، لتلامس جوهر الأزمة اللبنانية: السلاح خارج الدولة، الانهيار الاقتصادي، والفراغ السياسي. وقد أجرى باراك وأورتاغوس سلسلة لقاءات مع كبار المسؤولين، في مقدمتهم الرئيس جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري. ورغم أن تصريحات باراك العلنية لم تكن تهديدية، إلا أن لقاءه مع الرئيس عون كان له طابع خاص، وحملت كلماته غموضاً حول نتائج اللقاء، رغم إشادته بما سمّاه “الخطوة الأولى” للحكومة اللبنانية.
ولعل ما أثار بعض الضبابية في مواقف باراك سابقاً هو ما شابها من استفزاز لجزء كبير من اللبنانيين، خاصةً عندما أبدى إعجابه بما يحصل في سوريا، مشيراً إلى أنه في حال لم يتمكن لبنان من التعافي، يمكن وضعه في عهدة الدولة السورية الجديدة. لكنه في آخر جولة له، قال كلاماً قاطعاً كالسيف عن بُعد، واضعاً النقط على الحروف ومُحمّلاً الدولة اللبنانية مسؤولياتها. وقد جاء ذلك التوضيح في سلسلة تغريدات أطلقها الشهر الفائت، أكد فيها أن واشنطن مستعدة لدعم لبنان بشرط أن يحتكر الجيش اللبناني السلاح، الذي اعتبره المؤسسة الشرعية الوحيدة في البلاد. كما أوضح أن الولايات المتحدة تنظر إلى حزب الله بالكامل كـ”منظمة إرهابية”، وأن هدفها هو مساعدة لبنان ليصبح قادراً على نزع سلاح الحزب. ودعا القيادات اللبنانية إلى إظهار الإرادة السياسية للمضي نحو مستقبل خالٍ من “قبضة إرهابيي الحزب”. وعلى إثر ذلك، صدرت القرارات الحكومية الحاسمة في الخامس والسابع من آب، وهو ما كان محل إعجاب باراك في زيارته الأخيرة، مؤكداً على تأثير مواقفه المباشرة في دفع عجلة القرارات.
نزع السلاح مقابل إعادة الإعمار
تبرز ملامح هذا التحول الاستراتيجي عبر طرح أميركي يربط نزع السلاح بإعادة الإعمار. تؤكد التصريحات الأميركية أن نزع سلاح حزب الله لم يعد مطلباً خارجياً فحسب، بل ضرورة داخلية لضمان استقرار الدولة، حيث يُنظر إلى السلاح خارج الدولة كعائق أمام بناء المؤسسات وجذب الاستثمارات. وفي المقابل، تطرح واشنطن مؤتمراً دولياً لإعادة إعمار لبنان، يشمل الجنوب والبقاع وبيروت، بشرط التزام الحكومة بحصر السلاح.
وفي قلب هذه المعادلة الجديدة، يبرز الجيش اللبناني كضامن للتنفيذ، حيث تقترح الخطة الأميركية أن يتولى الجيش تطبيق قرار حصر السلاح بالتنسيق مع قوات اليونيفيل لضبط الحدود، مقابل تقديم مساعدات أميركية لتقوية قدراته. ومع ذلك، يواجه هذا الطرح تحديات كبيرة، أبرزها الرفض العقائدي من حزب الله، والغطاء الإيراني، بالإضافة إلى الانقسام الداخلي اللبناني.
لا يمكن فصل هذه الزيارة عن سياقها الإقليمي الأوسع، حيث تُنظر إلى نزع سلاح حزب الله كخطوة تمهيدية نحو تسوية أوسع تشمل الحدود واللاجئين وإعادة الإعمار في المنطقة، مع إشارات إلى ضرورة التنسيق الأمني مع دمشق. وفي خلاصة القول، زيارة باراك ليست مجرد جولة تفاوضية، بل محاولة لرسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها: “لا إعمار بلا سيادة، ولا سيادة بلا حصر للسلاح”. لكن نجاح هذه المهمة يتوقف على الإرادة اللبنانية القادرة على تجاوز الانقسامات.