
عناصر من الجيش اللبناني عند منطقة الناقورة (رويترز)
لم يكن الإمام المغيب موسى الصدر ينشئ مجرد “حركة للمحرومين”، بل كان يؤسس لهوية لبنانية ترتبط بالأرض… فكيف إذا كانت جبل عامل. خلال اعتصامه الشهير في مسجد الصفا عام 1975 احتجاجا على الحرب الأهلية، أطلق الإمام الصدر مقولته الشهيرة…”السلاح لا يحل المشكلة، بل الكلمة السواء”. وفي العام نفسه، ومن على منبر الكلية العاملية، أكد أن “السلاح زينة الرجال” في سياق الدفاع عن الأرض… لا لأن يكون جزءا من أكياس رمل دفاعا عن أيديولوجية الثورة الخمينية.
ارث الامام والصواريخ الستة
اليوم دمرت الصواريخ الستة التي انطلقت من الجنوب اللبناني إرث الإمام المغيب… فهي لم تكن يومها دفاعا عن الأرض وتحديدا عن النقاط الخمس التي احتلتها إسرائيل، إنما ثأرا لمقتل علي الخامنئي، أعلنت صراحة، ودفع ثمنها أهل الجنوب بتمزيق إرث الإمام الصدر، ليستبدل من قبل البعض بعباءة “الولي الفقيه” خدمة لمصالحه و”ثورته” المزعومة نصرة للمستضعفين في بقاع الأرض.
“لبنان وطن نهائي”
لقد رسم الصدر لوحة لشيعة لبنان أرادها جزءا أصيلا من اللوحة اللبنانية بطوائفها الـ18، تحت عنوان “لبنان وطن نهائي”… لكن اليوم، ومع تحول جبل عامل إلى ساحة محروقة، يطرح السؤال نفسه… هل يعقل أن تنتهي تلك “الشيعية اللبنانية” التي أرساها ورسخها الإمام الصدر… إمام الوطن والمقاومة، الذي صاغ مقاومته لحماية قرى الجنوب وليس دفاعا عن مشاريع عابرة للحدود يضحى فيها بالشباب اللبناني على ساحاته لحماية ساحة “الولي الفقيه”؟
محو ذاكرة مجتمع
إن ما يشهده جنوب لبنان اليوم، وفق قراءة محلل سياسي في حديثه لـ “صوت بيروت انترناشونال”، يتخطى الدمار العسكري المألوف، ليصل إلى مرتبة “المحو الممنهج” لذاكرة مجتمع وهوية دينية بأكملها. فاستهداف الحسينيات، التي كانت تاريخيا منطلقا لصرخات “المحرومين” في زمن الإمام الصدر، ليس مجرد هدم للحجر، بل هو ضرب لوجدان الجنوبي… هنا، يتوقف المحلل عند نقطة بالغة الخطورة، ترتبط بالتدمير الذي طال مقامات تاريخية تجسد جذور بيئة الإمام، وصولا إلى تجريف المقابر في القرى الحدودية، مما سيؤدي لقطع الرابط التاريخي بين أهل الجنوب وأرضهم وتاريخهم. هذا التدمير لم ينسحب فقط على الحجر بل انتقل إلى الرمز الذي لطالما ارتبط بالجنوبيين، إنه “نبتة التبغ”… الرابط المتين الذي جمع شيعة الصدر بترابهم تحت مسمى “الخبز المر” الذي ترسخت عبارته يوم انتفاضة 1973. إلا أن المشهد اليوم يكشف عن تحول هذه النبتة من ضحية للأطماع الإسرائيلية إلى حطب يحرق في سبيل “الولي الفقيه”، إذ إن الإصرار على تحويل جبل عامل إلى “صندوق بريد” لصالح نظام الملالي، اقتلع الشتلة من جذورها، ليثبت أن الأيديولوجيا المستوردة باتت تعلو فوق الارتباط بالتراب.
“هندسة الصعود”
وإذا ما استرجعنا ذكريات “هندسة الصعود” للرئيس نبيه بري، يروي المحلل واقعة سيارة “الفيات” الشهيرة في ستينات القرن الماضي، حين حاول بري الشاب كسر الإقطاع التقليدي عبر اعتراض موكب كامل الأسعد، الذي تدارك الأمر وحول مسار موكبه كي لا يفتح “طاقة” لصعود بري… تلك السيارة لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل كانت حقبة مهدت لمرحلة تتويج الأخير كـ “أب شرعي” لشيعة الإمام الصدر بعد تغييبه، والمتعهد الأول لمشاريع الإنماء.
الا أن المحلل يبدي خشية حقيقية من أن الأيديولوجيا العابرة للحدود باتت اليوم تأكل هذا الإرث… فمحو القرى التي ازدهرت حجارتها من أموال “صندوق الجنوب” وديعة الرئيس بري للجنوبيين، يبدو أنها تحولت إلى مجرد وقود في معارك لا تشبه الجنوبيين. هذا التحول يضعه المحلل في خانة الصراع العميق بين مرجعيتي “النجف” و”قم”، فالشيعية التي أرساها الصدر استمدت شرعيتها من “النجف الأشرف” التي تؤمن بمدنية الدولة وينظر من خلالها إلى المرجعية كصمام أمان وطني يتدخل فقط لحماية الدولة من الانهيار، وإن حصلت بعض المتغيرات في الممارسة العملية بعد الاجتياح الفكري لنظام الخميني للعتبات المقدسة في العراق، بينما “قم” مع الخميني تقود مشروعا عابرا للحدود يقوم على ولاية الأخير المطلقة والحاكم الفعلي نيابة عن “المهدي المنتظر”.
هذا الانقلاب حول الطائفة من مكون مؤسس للكيان اللبناني إلى أداة في مشروع إقليمي يرى في الجنوب خط دفاع عن مصالح خارجية، مما أدى لتبديد المكتسبات الوطنية التاريخية… ولعل أخطر ملامح هذا التبدل هو بروز سلوكيات غريبة عن منهجية الصدر، فبينما كان الإمام يعتلي منبر كنيسة الكبوشية عام 1975 ليقدس الشراكة الإنسانية، نرى اليوم من “الغوغاء” من يضع الأحذية فوق صور البطريرك الماروني… في محاولة لتمزيق ميثاق الصدر، ومحو معنوي يوازي في خطورته المحو الجغرافي، بهدف تحويل الجنوبي إلى نازح بلا ذاكرة.
وفي ظل هذا التدمير الممنهج، تبدو أبواب إعادة الإعمار موصدة، فالدولة مفلسة، والقطيعة الدولية شاملة، حتى شبكات تمويل الاغتراب تلاشت مع سقوط مظلات دولية كـ “مادورو” في فنزويلا. ويختم المحلل السياسي حديثه لـ “صوت بيروت انترناشونال” بخلاصة لا يمكن الهروب منها وهي أن هناك حقيقة وحيدة… أن العودة إلى جبل عامل ما زالت أبوابها مفتوحة، واستعادتها متاحة قبل أن تكتمل اللوحة المدمرة التي تطمح إليها إسرائيل… مشددا على أن الطلاق عن محور “وحدة الساحات” قد يجنب ساحة ما تبقى من إرث جبل عامل الدمار الكامل لجغرافيته وهويته، وإرث الإمام المغيب موسى الصدر.