
آثار غارة إسرائيلية وأمريكية على مركز للشرطة في طهران، إيران، 3 مارس 2026. رويترز
بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنفيذ ضربة قوية ضد طهران، ثم تعليقها بعد ساعات مع كشفه عن التوصل إلى اتفاق مع نظام الملالي، انقلب المشهد رأسًا على عقب. فالجميع كان يعوّل على استمرار الضربات الأميركية، وكان الاعتقاد السائد أن صبر ترامب قد نفد.
بعد هذا الإعلان، بدأت المواقف تخرج إلى العلن لتضع النقاط على الحروف. ومن خلال المواقف الإيرانية المتناقضة، والتي يعتبرها بعض المحللين انعكاسًا لحالة تشتت داخل النظام، يبرز سؤال جوهري: هل نحن فعلًا أمام تخبط حقيقي، أم أنها مجرد لعبة مناورة جديدة لإبقاء المشهد ضبابيًا ومختلطًا؟
مأزق خيارات طهران
وقبل الغوص في المواقف، لا بد من قراءة مشهد الوضع الإيراني، الذي بات أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الموت البطيء عبر قبول الاتفاق، أو اختيار “اللا اتفاق”، وهو خيار سيعيد الآلة العسكرية الأميركية إلى سماء طهران لاستكمال ضرب الهيكل العسكري والبنيوي للنظام.
ورغم المكابرة ورفع السقوف السياسية التي ما زال النظام يظهرها في مواقفه، حتى بعد تعليق الضربة، في محاولة لإظهار قدرته على التعطيل وفرض الشروط، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأكيده أن الأمور تسير وفق ما يريد، وأن التحضيرات جارية على قدم وساق للتوقيع، مكلفًا نائبه جي دي فانس بهذه المهمة على الأراضي الأوروبية.
وفي مقابل هذه التأكيدات الأميركية، تتوالى المواقف الإيرانية الرسمية الموحية بازدواجية صارخة. فالمفاجأة التي فجّرها ترامب أظهرت وكأن هناك حالة من الانفصام السياسي والتخبط داخل أروقة الحكم في طهران.
ففي أول تعليق رسمي، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية، على لسان المتحدث باسمها إسماعيل بقائي، أن “معظم البنود تم الاتفاق عليها، ونحن في المرحلة النهائية للمصادقة عليها”، مضيفًا أن “القول بأننا قريبون من الاتفاق ليس أمرًا جديدًا، إذ كان من الممكن التوصل إليه قبل عدة أسابيع، غير أن المشكلة كانت تكمن في التصريحات المتناقضة للجانب الأميركي”. كما اعتبر أن “اتهام إيران بعدم امتلاك حسن النية أمر غير صحيح، ومن الواضح للجميع أي طرف يفتقر إلى حسن النية”.
في المقابل، كتب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في منشور عبر منصة “إكس”، أن “مذكرة التفاهم الخاصة بإسلام آباد لم تكن أقرب من أي وقت مضى”، داعيًا إلى الامتناع عن التكهنات، وهو التصريح الذي أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نشره، واصفًا إياه بأنه “إيجابي جدًا”.
سقوط زمن المناورات
هذا التباين في المواقف الإيرانية انعكس أيضًا على تسريبات وكالات الأنباء الرسمية. فبينما زعمت وكالة “إرنا” أن طهران قدمت ردًا من عشرة بنود، نقلت وكالة “فارس” عن مصادر مطلعة تشكيكها في رواية ترامب.
وهو أمر لطالما تميزت به طهران من حيث المراوغة ومحاولة الإيحاء بأن النظام لم ولن يقدم تنازلات جوهرية. إلا أن نظام “الولي الفقيه” يبدو أنه ما زال يراهن على إطالة عمر التفاوض، رغم أن المناورة هذه المرة قد تكون الأخيرة.
فالمائدة، على ما يبدو، جُهّزت بطبق مسموم أعدّه ترامب، وسيتولى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الإشراف على توقيعه. وكان فانس قد أكد في موقف حاسم أن “الولايات المتحدة لم تتوصل بعد إلى اتفاق مع إيران، لكنها تقترب من ذلك”، مشددًا على أنه “لن يتم صرف أي أموال لإيران مقابل توقيع الاتفاق، وأن أي فوائد اقتصادية محتملة ستكون مرتبطة بالتزام طهران الكامل بتعهداتها”.
طهران وفقدان المبادرة
إن محاولة النظام الإيراني الإيحاء، عبر التسريبات المتناقضة، بأنه ما زال يمسك بزمام المبادرة، تبدو أقرب إلى السراب. فترامب لا يقدم هدايا مجانية، ولن يمنح النظام طوق نجاة سياسيًا أو اقتصاديًا.
وقد عبّر عن ذلك بوضوح في هجومه عبر منصة “تروث سوشيال”، واصفًا التسريبات الإيرانية بشأن الاتفاق المرتقب بأنها “إعلام مزيف”، ومؤكدًا أن “الشروط التي سرّبتها إيران إلى وسائل الإعلام كاذبة، ولا تمت بصلة إلى الشروط التي تم الاتفاق عليها كتابةً”.
كما وصف البيان الإيراني بأنه “ضعيف ومثير للشفقة”، معتبرًا أن المسؤولين الإيرانيين “غير شرفاء في التعامل” ولا يعرفون “حسن النية”، قبل أن يضيف: “عليهم أن يحسنوا التصرف، وبسرعة”.
إن الضبابية أو التخبط في الموقف الإيراني تعيد إلى الأذهان نمط المناورة الذي طبع دبلوماسية هذا النظام لعقود. وقد تجلّى ذلك بوضوح عندما تراجع عراقجي عن لهجته الإيجابية، بعد الانتقادات التي تعرض لها من الداخل الإيراني.
ففي مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني، اعتبر أن “إنهاء الحرب في مذكرة التفاهم يشمل لبنان، وهذا يعني خروج القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة، ونحن لن نتخلى أبدًا عن حزب الله”، مشترطًا أن “تنص المذكرة صراحة على إنهاء الحصار البحري الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية بالكامل، والإفراج عن الأصول الإيرانية”.
كما أعلن أن إيران اتخذت “قرارًا حاسمًا بأن إدارة مضيق هرمز لن تعود أبدًا إلى ما كانت عليه قبل الحرب”، مؤكدًا أن “الطريقة المقبولة الوحيدة للتعامل مع مخزون المواد عالية التخصيب هي تخفيفها داخل الأراضي الإيرانية حصريًا”.
هذا الموقف الاستعلائي، الذي عبّر عنه عراقجي، يصعب ترجمته في قاموس ترامب السياسي، وهو ما قد يشعل فتيل الصواعق الكامنة في بنود الاتفاق، وربما يطيح بالتسوية التي أعلنها الرئيس الأميركي ويعيد الأمور إلى نقطة الصفر.
إن المشهد اليوم يتجاوز حدود التفاهمات السياسية العابرة، فهو يوحي بنهاية حقبة كاملة من المناورات التي اعتمدها نظام الولي الفقيه للبقاء.
ومع اقتراب ساعة الحسم، لم يعد السؤال داخل أروقة طهران عن شكل الاتفاق أو بنوده، بل عن حجم ما سيتبقى من هيكل النظام بعد توقيع صك الالتزام.
إنها لحظة الحقيقة التي يدرك فيها الجميع أن خيارات النظام قد ضاقت إلى حد الاختناق؛ فإما القبول بواقع جديد ينهي أحلام التوسع والممانعة، وإما مواجهة مصير طالما حاول تفاديه بالمماطلة والتسويف.
ليجد نفسه أخيرًا أمام الجدار المسدود، حيث لا مكان للمناورة، ولا وقت للمراوغة، ولا سبيل للنجاة.