
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمرشد الإيراني علي خامنئي
بينما كان النظام في طهران يلفظ أنفاسه في نزاعه الأخير، أبى إلا أن يودّع المنطقة بآخر ما في جعبته من شر، فرمى حمم قنابله وصواريخه نحو التجمعات السكنية الخليجية تحت ذريعة واهية هي استهداف القواعد الأمريكية. لم تكن تلك الصواريخ مجرد سلاح عسكري، بل كانت محاولة يائسة ومسمومة لإطفاء الأنوار المتلألئة التي باتت تشكل علامة فارقة لنهضة المنطقة وازدهارها، أنوار لا تشبه في شيء روائح الموت المنبعثة من أزقة طهران، حيث أصرّ النظام على مدار أكثر من أربعة عقود أن يكتم الأصوات بخنق الحناجر عبر مشانق الإعدامات الممتدة. في وقت كانت هذه الدول تبني للإنسان ومستقبله، كان بنيان هذا النظام قائماً على الشر المحض وتصديره للمحيط، مستبدلاً لغة البناء بلغة الدمار.
اللحظة الصفر
وبالعودة إلى اللحظات التي بدأت فيها العملية العسكرية صباح أمس، كشفت التقارير الاستخباراتية التي تناقلتها وكالات عالمية مثل “رويترز” و”وول ستريت جورنال” عن رصد الأقمار الصناعية وأجهزة المراقبة المتطورة اجتماعاً سرياً للمرشد علي خامنئي مع كبار قادة الحرس الثوري. هذا الرصد الدقيق دفع غرف العمليات إلى تقديم موعد الضربة الحاسمة، حيث انهمرت 30 غارة وصاروخاً دقيقاً في دقائق معدودة على مقر إقامته ومخبئه “المحصّن”، في لحظة ظنّ فيها أنه في مأمن من التكنولوجيا التي تلاحقه.
لم يكن إعلان التلفزيون الرسمي الإيراني مساء أمس مقتل المرشد مجرد خبر نعي، بل كان لحظة الانكسار المريرة لنظام حاول طيلة النهار التغطية على الحقيقة بالإنكار والنفي، قبل أن تحاصره المعطيات الميدانية وصور جثة المرشد التي لم يترك عرضها مجالاً للمراوغة. لقد جاء هذا الاعتراف القسري مع البدايات الصاعقة للعمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة، ليؤكد ما أعلنه الرئيس دونالد ترامب سلفاً في محطتين تاريخيتين… الأولى عبر كلمته المحورية التي استغرقت ثماني دقائق ونصف واختصرت نهاية حقبة كاملة، والثانية عبر منشوره على منصة “تروث سوشال” الذي كتب السطر الأخير لنظام خنق الحناجر طويلاً.
قصاص ترامب
بإعلان الرئيس ترامب مقتل خامنئي ووصفه له بأنه من أشرار التاريخ، لم يكن يزف خبراً عسكرياً عادياً، بل كان يغلق ملف ثأر مفتوح منذ عام 1979. بالنسبة لترامب، مقتل خامنئي هو الحساب العادل لكل جندي أمريكي استهدفه هذا النظام، من تفجيرات بيروت في الثمانينات وصولاً إلى استهداف القواعد في العراق وسوريا مؤخراً. لقد أثبت ترامب أن ذاكرته حديدية، وأنه يطبق المبدأ المعروف “ترامب ما بيموت له ميت”، فهو لا ينسى حقه ولا يترك دماء جنوده تضيع مهما طال الزمن. وبإقرار من تبقى من أركان النظام بمقتل الرأس، أطبق ترامب فكّ القصاص التاريخي على نظام الولي الفقيه، معلناً للعالم أن الصواريخ التي تتطاير الآن بلا هدف في المحيط، ليست إلا صدى لنهاية حقبة بدأت بالخطف والرهائن وانتهت تحت وطأة تكنولوجيا لا تترك ثأراً ولا ينام لها ميت.
اليتم السياسي لنهج الولي الفقيه
هذا الزلزال في طهران وصل صداه فوراً إلى الأطراف، ليطرح سؤالاً وجودياً… هل يمكن للأذرع أن تعيش بلا رأس؟… مقتل خامنئي يعني انقطاع حبل الوريد الذي غذّى الفوضى في أربع عواصم عربية. ففي سوريا، سقط المشروع رسمياً مع انتقال السلطة واستلام أحمد الشرع، لتبدأ دمشق رحلة العودة إلى حضنها الطبيعي. لقد دخلت أذرع النظام مرحلة اليتم القيادي في بغداد وبيروت وصنعاء، فالمقاتل الذي كان يتحرك بإشارة “إصبع المرشد”، يجد نفسه اليوم أمام فراغ كبير. فإذا عجزت المنظومة التي تفاخرت بحصانتها عن حماية رأسها… كيف ستستمر في دعم مشاريع السيطرة خارج حدودها؟
وهم الشعارات والواقع الميداني المرير
في غمرة هذا التداعي، برزت محاولات يائسة لترميم الوعي المنكسر لدى الأنصار، حيث تتردد في الأروقة المنهكة شعارات من قبيل: إذا غاب “سيد قام سيد”، في استحضار بائس لمنطق الاستنساخ الذي لم يعد صالحاً لترميم واقع تهشّم بالكامل. المسألة اليوم لم تعد مجرد غياب سيد ليخلفه آخر، بل هي تصدّع السيادة الأيديولوجية نفسها. إن مقتل خامنئي هو الرصاصة الأخيرة في جسد نظام بدأ عام 1979. نحن اليوم أمام شرق أوسط جديد، ستغيب فيه الهويات العابرة للحدود التي عاثت خراباً في العراق وسوريا ولبنان. لقد سقط السيد الذي حكم لثلاثة عقود سياسياً وأيديولوجياً قبل أن يسقط عسكرياً، ليترك خلفه فراغاً لن تملأه الخطابات، بل سترسمه حقائق الميدان وقرارات القصاص التي لا تنسى ثأراً ولا ينام لها ميت.