
الخارجية اللبنانية
بعيداً عن الغرق في التفاصيل القانونية الجامدة والاتفاقات الدولية التي تنظم عمل السفراء، يخطئ من يظن أن القوانين ستكون مجرد غطاء لمن يستبيح الدول ويخطف سيادتها أمنياً وعسكرياً. فكيف إذا كانت هذه الاستباحة تتم بوجود عسكري علني لـ “فيلق القدس” و”الحرس الثوري الإيراني” في لبنان، الذي يدير المعارك العسكرية بأدلة باتت واضحة وموثقة للجميع ولم تعد بحاجة لبراهين.
وفي خطوة وصفت بالمزلزلة، حاصر وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي دبلوماسية الترهيب الإيرانية، حيث أعلن سحب اعتماد السفير الإيراني الجديد، محمد رضا رؤوف شيباني، وأمهله حتى الأحد المقبل لمغادرة البلاد كشخص غير مرغوب فيه. وفي هذا السياق، كشف مصدر دبلوماسي لـ “صوت بيروت إنترناشونال” أن قرار الوزير رجي ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو رد حاسم ومستند إلى “اتفاقية فيينا “لعام 1961 في وجه من كسروا القوانين وحولوا السفارة إلى غرفة عمليات ميدانية.
وبالعودة للنص الحرفي للمادة 3 من هذه الاتفاقية… ان وظيفة البعثة هي” التعرف بكل الوسائل المشروعة على الأحوال والتطورات في الدولة المعتمد لديها، ورفع التقارير عنها إلى حكومة الدولة المعتمدة”. وهنا يبرز السؤال الميداني… هل توزيع أجهزة “بيجر” عسكرية مشفرة يندرج تحت الوسائل المشروعة؟ وهل إدارة لقاءات قتالية بعيداً عن أعين الدولة يقع ضمن حدود رفع التقارير؟ إن ما حدث هو انحراف واضح عن جوهر المادة التي تلزم السفير بتمثيل الدولة المعتمدة لدى الدولة المعتمد لديها من خلال القنوات الشرعية فقط، لا عبر إدارة الميليشيات.
لقد اعتمد رجي في قراره على أسس قانونية قوية، فبموجب المادة 9 من الاتفاقية، استخدم لبنان حقه في طرد السفير شيباني رداً على تدخله السافر الذي يمنعه القانون في المادة 41. فحين يتحول السفير إلى منتقد لقرارات الحكومة ومنظم لقاءات عسكرية، فإنه يفقد صفته الدبلوماسية ويتحول إلى حاكم عسكري يدير الحرب من خلف الستار، مخالفاً المادة 12 التي تمنع فتح مكاتب أمنية سرية كما حصل في أحد فنادق الروشة، والمادة 41 التي تمنع استخدام مقر السفارة لأغراض حربية.
هذا التحرك الدبلوماسي جاء ليتناغم مع قرار مجلس الوزراء الصادر في 3 آذار 2026، والذي قضى بحظر جميع الأنشطة العسكرية والأمنية لـ “حزب الله” داخل الأراضي اللبنانية، وإلزامه بتسليم كامل سلاحه للدولة، ومعاملته ككيان سياسي مدني فقط أسوة ببقية الأحزاب دون أي امتيازات عسكرية.
لقد سقط القناع عن الدبلوماسية العسكرية فوق أرض الميدان، فإصابة السفير السابق مجتبى أماني بجهاز “بيجر” عسكري تثبت أنه كان جزءاً من ماكينة الحرب. وتجلت هذه الاستباحة بمقتل جنرالات إيران في قلب المعارك، مثل وجود نائب قائد عمليات “الحرس الثوري” العميد عباس نيلفروشان بجانب امين عام “جزب الله” حسن نصر الله لحظة الغارة، ومقتل المستشار في “الحرس الثوري” ميلاد بيدي مع القياجي في الحزب فؤاد شكر ، وقائد “فيلق القدس” في لبنان وسوريا العميد محمد رضا زاهدي والعميد في “فيلق القدس” حاجي رحيمي، وصولاً إلى قتلى مارس 2026 في الروشة مثل المسؤول المالي في “فيلق القدس” مجيد حسيني ورئيس استخبارات “فيلق القدس” علي رضا بيآزار.
أمام هذا الواقع، خرج “حزب الله” ببيان يصف طرد السفير بالخطوة المتهورة، وهو ما يكشف انتقائية الحزب، فهو يدافع عن السفير باسم القانون، لكنه يرفض الالتزام بقرار مجلس الوزراء التاريخي الذي ينهي استثناءه العسكري ويطالب بتفكيك مربعاته الأمنية.
ويختم المصدر الدبلوماسي حديثه لـ صوت بيروت انترناشونال مؤكداً أن استمرار “حزب الله” في اختيار القوانين التي تناسب مصلحة إيران فقط هو ازدواجية تلغي وجود الدولة. إن سحب اعتماد السفير الإيراني هو مواجهة حقيقية مع نهج استباح السيادة منذ لحظة اغتيال هاشم السلمان أمام أبواب السفارة وحتى إدارة غرف الحرب تحت ستار الحصانة. إنها معركة استعادة القرار اللبناني، وتطهير السلك الدبلوماسي من التبعية، وفك الارتباط بمشروع لم يجلب للبنان إلا الدمار والخراب والارتهان لطهران.