الجمعة 4 محرم 1448 ﻫ - 19 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

زمن "اليُتم الاستراتيجي".. حزب الله يواجه مصيره وحيداً خلف "دخان" المفاوضات

في وقتٍ تشتد فيه وتيرة الضربات العسكرية على “حزب الله” في لبنان، متجاوزةً قرى الحافة الأمامية لتتركّز على عمق الجنوب، تصدّرت النبطية وقرى القضاء قائمة الاستهدافات الإسرائيلية، بحيث لا يمكن تجاهل التدمير اليومي الذي يطال هذه المنطقة، بما تحمله من رمزية بصفتها بيئة استراتيجية ومركز ثقل أساسي لمحور الممانعة. فالنبطية، التي تُلقّب بـ”مدينة الحسين”، تمثّل نقطة الانطلاق الأولى باتجاه إسرائيل، وهو ما يعيدنا إلى المربّع الأساس المرتبط بطهران وأذرعها، ويطرح السؤال الجوهري والدائم: هل تخلّت عنهم فعليًا بعدما باتت أمام معركة وجودية؟ لا سيما أن هامش تحرّكها يضيق شيئًا فشيئًا، حيث أصبحت إيران كالسفينة التي يحاول ربانها إنقاذها من الغرق، فبدأت ترمي بأحمالها حملًا تلو الآخر.

“حزب الله” في المعادلة الإيرانية – الأميركية

ما يجري اليوم من تكثيفٍ للضربات، في وقتٍ يستمر فيه الحديث عن عدم انهيار اتفاق الهدنة الذي رعاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يدخل في إطار البند الذي ورد في الاتفاق، وفق ما تم تسريبه، حول احتفاظ إسرائيل بحقها في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد التهديدات المخطّط لها أو الفورية أو المستمرة. هذا الواقع التدميري المكثّف والمستمر يعيدنا إلى طرح السؤال عن مصير “حزب الله” في المعادلة الإيرانية – الأميركية، في ظل الضبابية التي تعيشها المفاوضات بين الطرفين. فهل بات الحزب في خانة “اليُتم الاستراتيجي”، وهل سقطت ورقته فعليًا من يد نظام الملالي؟

طهران في حصارها الأخير

يبدو أن مصير الملف اللبناني بات في كماشة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يمسك الملف الإيراني بيده اليمنى والملف اللبناني باليسرى؛ فمن جهة يضغط على طهران تارةً بإشارات إيجابية حول قرب التوصّل إلى اتفاق، وفي الوقت نفسه يضيّق الحصار البحري عليها، مدعومًا بعقوبات جديدة نشرها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية تحت مسمّى “الغضب الاقتصادي”. ومن خلال هذه العقوبات، يتبيّن أن الضغوط الأميركية انتقلت من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة الهجوم الشامل لقطع الشرايين عن مسيّرات “شاهد” والصواريخ الباليستية، مما يضع قدرات طهران في مأزق مباشر، وينعكس سلبًا على قدرتها في إمداد حلفائها بالمعدات والتقنيات اللازمة.

هذا الحصار لم يوقف الضربات الجراحية على طهران، والتي لا تُصنَّف ضمن إطار الخروج عن الهدنة، إنما هي عمليات جراحية ناتجة عن تحركات عسكرية إيرانية تجاه هجوم طال ثلاث مدمرات أميركية أثناء عبورها مضيق هرمز، حيث تحرّكت الطائرات العسكرية الأميركية لتستهدف، يوم الخميس الفائت، مفاصل حيوية في جزيرة قشم ومدينة بندر عباس وميناء ميناب. ومن خلال المعطيات والتطورات الحالية، يبدو أن المشهد يؤشّر إلى أن أوراق طهران لم تعد متماسكة، وبدأت تتساقط مع تحلّل هيكليتها السياسية والعسكرية والاقتصادية. وهذا الأمر جعل طهران تتخلّى عن ذراعها في لبنان مُرغمة؛ بمعنى آخر، أصبحت حماية المركز تتقدّم على حماية الأطراف، والأولوية القصوى الآن هي فك الحصار البحري وفتح مضيق هرمز لضمان تدفّق ما تبقّى من شريان الحياة، حتى لو كان الثمن تجميد الدعم المباشر للأذرع وتركها لمصيرها العسكري المحتوم.

الجولة الثالثة في مسار مجهول

هذا الواقع جعل “حزب الله” تحت ضغط عسكري هائل، في وقتٍ يتخبّط فيه الداخل اللبناني في مواجهة آلة الحرب من جهة، والنزوح الذي يبدو أنه سيستنزف بيئة الحزب والدولة في آنٍ واحد من جهة أخرى. في المقابل، يضغط الأميركي على خط التفاوض بإعلانه انعقاد المحادثات بنسخة ثالثة، والتي يبدو أنها قد لا تكون بمستوى الجولة الثانية، وهو ما يتم تداوله حول مستوى الوفد اللبناني المزمع تسميته لإنجاز هذه الجولة، في وقتٍ تتجه فيه الأنظار نحو وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وما إذا كان سينسحب من المشهد الذي تصدّره مع الإعلان الأول لبدء هذه المفاوضات. هذه المعطيات، التي لم تتضح حتى الآن، يرى عدد من المتابعين أنها قد لا تنتج أي شيء ملموس مع تصلّب المواقف من الجانبين.

وهنا لا بد من التوقف عند المؤشرات الحالية العسكرية والتفاوضية، التي لا تبدو واضحة حتى اليوم، باستثناء ثابتة وحيدة، هي أن طهران لا يمكنها النهوض من تحت الركام لإنقاذ ما تبقّى من أوراق على طاولة المفاوضين الإيرانيين، الذين يتجاهلهم الرئيس ترامب في إعلاناته الإيجابية حول التقدّم في الملف التفاوضي. كما أن محاولة بعض الدول إنعاش هذا النظام ستصطدم بحتمية قرار الرئيس ترامب، الذي وإن مدّد من عمر النظام، فهو يضع إصبعه على “الزر” الذي، إن ضغط عليه، فلا بد أن تكون هذه المرة إعلانًا لوثيقة وفاة هذا النظام الحتمية.

يمكن الاستنتاج، من خلال التطورات الأخيرة على صعيد الملف التفاوضي الذي يترافق مع عمليات عسكرية محدودة في طهران، في وقتٍ تستمر فيه النيران بنهش ما تبقّى من قرى الجنوب اللبناني، أن “حزب الله” سيبقى على موقفه نصرةً لنظام “الولي الفقيه”، وإن بات أمام واقع داخلي تتصاعد نبرته بعد أن كسر المحرّمات تجاه ما تعارف عليه لسنوات كمقاومة لتحرير فلسطين وعدد من القرى اللبنانية، وصولًا إلى مرتبة متقدمة لناحية عدم الخشية من تحميله مسؤولية انفرادية القرار التي ضاعفت عدد القرى التي باتت تحت السيطرة الإسرائيلية جغرافيًا أو تحت السيطرة النارية. وفي الوقت الذي يتراجع فيه الحزب ميدانيًا، رغم امتلاكه قدرة صاروخية تؤرق الجبهة الشمالية والعمق الإسرائيلي أحيانًا، تظل الثابتة الوحيدة أن الهدنة ما زالت قائمة على الورق فقط.