
جنود إسرائيليون بالقرب من الحدود الإسرائيلية مع لبنان (رويترز)
في الوقت الذي تشنّ فيه إسرائيل حملةً عسكريةً واسعة، تضع ثقلها فيها لضرب قدرات “حزب الله” في لبنان، شهدت بلدة النبي شيت في البقاع محاولة إنزالٍ جويٍّ إسرائيلي أثارت الكثير من التساؤلات. ورغم أن هذا الحدث لا يمثل الغاية الاستراتيجية الكبرى للحرب الحالية التي تسعى للقضاء على بنية “حزب الله”، إلا أنه كشف عن جانبٍ آخر من الصراع، وهو البحث المستمر منذ عقود عن مصير الطيار الإسرائيلي المفقود رون أراد… ذلك الملف الذي يمثل لغزًا في تاريخ الصراع الاستخباراتي، حيث تعود جذوره إلى أكتوبر 1986 حين سقطت طائرة أراد فوق قصرنبا إثر انفجار صاروخ بالقرب منها، ليقفز مع زميله الطيار يشاي أفيرام بالمظلة، وبينما نجا أفيرام انقطع أثر أراد تمامًا.
تشير التقارير التاريخية إلى اعتقاد تل أبيب بأن “حركة أمل” احتجزت أراد بداية الأمر، قبل أن تتداخل الروايات حول نقله إلى إيران ثم إعادته إلى لبنان، ولم يصل لإسرائيل سوى ثلاث رسائل وصورة واحدة خلال الفترة الممتدة حتى عام 1987… ورغم سنوات البحث الطويلة، توصلت أجهزة أمنية إلى استنتاج مفاده أن الطيار توفي على الأرجح عام 1988، وهو تاريخ يتقاطع مع تصريحات سابقة للأمين العام السابق لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله عام 2006، وما نقله المفاوض الألماني غيرهارد كونراد عام 2008 حول فرضية وفاته أثناء محاولة هروب… وفي سياق البحث المستمر، برزت عام 2016 معطيات أمام المحكمة العسكرية في لبنان حول قبر في منطقة “بولونيا”، لكن تلك الرواية ظلت محاطة بالشكوك بعد إدانة القضاء اللبناني لمتهمين بتهمة بيع رفات وصور مزيفة طمعًا بالمكافآت المالية.
أما بالنسبة لإصرار إسرائيل على استعادة رفات جنودها، فتروّج الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية لمبدأ “لا يُترك جندي خلف الخطوط”، باعتباره عقيدةً عسكريةً وسياسيةً راسخة، وعقدًا غير مكتوب بين الدولة والمجتمع لتعزيز ثقة الجنود بأن حياتهم وموتهم لن يُتركوا للنسيان… كما تحاول الدعاية الإسرائيلية إكساب هذه القضية بعدًا أخلاقيًا ودينيًا مقدسًا، وتحويلها في كثير من الأحيان إلى ورقة تفاوضية في صفقات معقدة… ففي صفقات التبادل التاريخية استُخدمت الرفات والأسرى كوسيلة ضغط فعالة، كما حدث في صفقة الجليل عام 1985 وصفقة عام 1996، وصولًا إلى صفقة “الوفاء للوعد” عام 2008 التي شهدت إطلاق سراح سمير القنطار وأسرى آخرين مقابل استعادة رفات جنود إسرائيليين.
مفارقات الميدان الاستخباراتي
في ديسمبر 2025 عاد الملف للواجهة مع اختفاء النقيب المتقاعد في الأمن العام اللبناني أحمد شكر في منطقة زحلة، حيث كشفت الأجهزة الأمنية اللبنانية عن اشتباهها في قيام جهاز “الموساد” بتنفيذ عملية خطف استهدفته لاستدراجه من بلدة النبي شيت إلى أعالي زحلة… وتشير المعلومات إلى أن لهذا الخطف علاقة بملف رون أراد، إذ فُقد أثر الطيار قديمًا من منزل يعود لآل شكر في النبي شيت، مما يطرح تساؤلات حول وجود معطيات تقنية جديدة استدعت العودة للجغرافيا اللبنانية للتدقيق في شهادات المحكمة العسكرية والتقارير القديمة… خاصة بعد ثبوت دخول مجموعة غامضة عبر مطار رفيق الحريري قبل العملية بيومين ومغادرتها فور تنفيذها.
وبالعودة إلى ما تم تسريبه عن الإنزال، فقد صدر بيان عن “المقاومة الإسلامية” أكدت فيه أن عملياتها رصدت تسلل أربع مروحيات إسرائيلية من الاتجاه السوري، حيث عمدت إلى إنزال قوة مشاة عند مثلث جرود بلدات يحفوفا والخريبة ومعربون، وتقدمت القوة باتجاه الحي الشرقي لبلدة النبي شيت، وعند وصولها إلى المقبرة اشتبكت معها عناصر من المقاومة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة… وذكر البيان أن الاشتباك تطور بعد انكشاف القوة، حيث نفذ العدو أحزمة نارية مكثفة عبر أربعين غارة بالطيران الحربي والمروحي لتأمين انسحاب القوة من منطقة الاشتباك، بينما شارك سلاح المدفعية في المقاومة في استهداف مسار الانسحاب مع مؤازرة من أهالي القرى المجاورة… وقد أفادت مصادر ميدانية بأن العملية فشلت في تحقيق هدفها الميداني، بينما التزمت “الصحف الإسرائيلية” كـ”يديعوت أحرونوت” و”هآرتس” بتغطية الحدث كعملية عسكرية استراتيجية، مع فرض تعتيم كامل على تفاصيل الخسائر أو الأهداف المتعلقة بالرفات.
وفي هذا السياق تبرز تساؤلات صامتة حول دلالات المسار الميداني الذي سلكته القوة المتسللة، وما إذا كان تظهير استخدام الأراضي السورية عبر وسائل إعلام “المحور” يهدف للإيحاء بأن إسرائيل تفضل الحركة ضمن بيئات جغرافية معينة… فاستغلال مثل هذه المسارات قد لا يكون مجرد مناورة ميدانية، بل وسيلة مبطنة لإدارة الصراع السياسي عبر الإشارة إلى وجود ثغرات أمنية تتيح تنفيذ مثل هذه الإنزالات المعقدة انطلاقًا من تداخلات الجغرافيا المفتوحة في قرى الجرود.
لم تكن هذه العملية استثناءً في تاريخ المواجهة، بل هي امتداد لاستراتيجية إسرائيلية اعتمدت على الإنزال منذ عام 1972 حين استهدفت إنزالات بحرية قيادات في “حركة أمل” بمدينة صور، وتكررت في صيدا عام 1988 لاغتيال قياديين فلسطينيين، وفي الضاحية عام 1994 لاستهداف قيادات “حزب الله”، وصولًا إلى عملية البترون عام 2024 التي استهدفت قبطانًا بحريًا… وتظهر هذه العمليات أن إسرائيل تستخدم أسلوب المهمة الخاطفة كأداة استخباراتية، إلا أن سجلها التاريخي يؤكد أن نسبة نجاحها مرتبطة بدقة المعلومات، وأن انكشاف القوة مبكرًا يحولها إلى فشل ميداني كما حدث في النبي شيت.
في الختام تتضارب الروايات حول مصير رون أراد، ومع بقاء عمليات ميدانية مثل إنزال “النبي شيت” دون نتائج معلنة، فإن أي نجاح في استعادة الرفات سيظل طي الكتمان بانتظار مسارات فحص الحمض النووي الطويلة والمعقدة، مما يترك السؤال قائمًا… ماذا لو نجحت فعليًا؟