
ناقلات وسفن في مضيق هرمز قبالة عُمان
مع بلوغ الضربات الأمريكية جولتها الثانية عشرة، والتي تصاعدت معها وتيرة الاشتعال، مع تقدم في نوعية الأهداف الأمريكية داخل طهران، ليبدو المشهد كترجمة واضحة لخطة أمريكية ممنهجة تهدف إلى ضرب مفاصل حيوية في الداخل الإيراني وعلى طول سواحله، وصولاً إلى الشرايين الحدودية التي تربطها بالعراق، وفي طليعتها معبر الشلامجة الاستراتيجي الذي يهدف إلى قطع الشرايين اللوجستية والاقتصادية البرية بين طهران وميليشياتها الولائية في العراق.
من خلال هذه التطورات يبدو أنه لم يعد للتفاوض مقعد، بعدما تفلت من الضوابط، مع رفع “الحرس الثوري الإيراني” مستوى التحدي بتهديداته، باستهداف أي سفينة تعبر المضيق مخالفة قرار الحظر في البحر الأحمر، والذي أوكل مهمته لـ”القوات المسلحة الحوثية” التي أصدرت بياناً حذرت فيه السفن من سلوك الممر من دون إذنها، وهو ما نفذته فعلياً باستهدافين لسفينتين سعوديتين بعدد من الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة وفق ما جاء في البيان.
هذه المستجدات تؤشر إلى أن الأفق بات مسدوداً، وما عززه هو استهداف الجنود الأمريكيين في الأردن، الذي شكل نقطة تحول استراتيجية حاسمة في إدارة الرئيس ترامب…. لا يمكن تمريرها في العرف العسكري والسياسي في واشنطن، وهو ما كان يحذر منه ترامب، ودفعه اليوم إلى رفع منسوب الاستهداف للعمق الإيراني… تبدو المعطيات المسربة أن إسرائيل مرشحة للدخول على خط المواجهة الأمريكية – الإيرانية، وهو أمر قد تحسمه زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن الأسبوع المقبل، والتي سبقتها زيارة سرية لرئيس “الموساد” المعين حديثاً رومان جوفمان لمدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف وعدد من المسؤولين في البيت الأبيض.
غطاء الثنائي المفقود
وفي الوقت الذي تغلي فيه مياه مضيق هرمز على وقع التهديدات الإيرانية والتطمينات الأمريكية المضادة، بمنع الحرس الثوري من تنفيذ تهديداته، يبدو أن الأجواء الإيجابية التي أرخت بظلالها على اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي ترامب برئيس الجمهورية اللبنانية جوزف عون، والتي أعلن فيها الرئيس ترامب إعادة الحرارة إلى مسار الخطوط الجوية اللبنانية بين لبنان وواشنطن كبادرة ثقة، إلا أن العقدة الأساسية التي ترتبط بموقف الثنائي الذي يمثله رئيس مجلس النواب نبيه بري لم تتفكك، وهو ما قد يبطئ تنفيذ “اتفاق الإطار” الذي قص رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام شريط تنفيذه على الأرض من خلال زيارته لمنطقة زوطر الغربية ورفعه العلم اللبناني فيها إيذاناً ببدء المرحلة التي يؤمل أن تكتمل لتشمل مناطق أخرى.
ويبدو أن النقاش الذي دار بين الرئيس ترامب والرئيس عون، وتأكيد الأخير أن “الاتفاق الإطاري” يقع ضمن اختصاصات الرئاسة الدستورية والحصرية التي لا تستوجب مروره عبر أروقة مجلس النواب، مع تأكيده أن رئيس مجلس النواب نبيه بري هو “رجل دولة يرغب حقاً في رؤية نهاية هذه الحرب، ويعلم حجم الدمار في الجنوب كونه ابناً له، مع فهمه لدقة وحرج موقفه كرئيس للبرلمان وقائد للطائفة الشيعية”… وضع النقاط على الحروف التي يبدو أنها تعقد لغة التخاطب بين الرئاسة الأولى والثانية.
هذا الحوار الذي دار في المكتب البيضاوي، أضاء على أن العقدة المرتبطة بالواقع الميداني والسياسي للثنائي ما زالت حاضرة وفق مصدر خاص لـ”صوت بيروت إنترناشونال”، وهو ما دللت عليه التسريبات التي تحدثت عن إرجاء زيارة رئيس اللجنة العسكرية المشرفة على تنفيذ هذه المرحلة، الجنرال جوزيف كليرفيلد، إلى لبنان “إلى موعد غير محدد”، والتي ترسم علامات استفهام كبرى حول الأسباب التي أملت هذا الإلغاء، مع عدم إيضاح الأسباب التي دفعت لإرجائها، والتي تزامنت مع عودة الرئيس عون إلى لبنان.
ويرى المصدر أن هذا التأجيل لا يرتبط بأمور تقنية، بل هو انعكاس لما ظهر خلال اللقاء في واشنطن، والذي أشار بشكل مباشر إلى أن هناك من مصدات رفعت في وجه الاندفاعة الرئاسية، والتي انسحبت على السلطة التنفيذية برئاسة سلام، من قبل الرئيس بري وحلفائه، والتي حذرت من خطورة فرض هذه التفاهمات على الثنائي، معتبرة أن فرض أي ترتيبات أمنية “تتجاوز” المكونات الممثلة شعبياً يهدد الاستقرار الداخلي ويجر البلاد نحو مخاطر الفتنة.
لا شك أن الأمور باتت تشي بأن تنفيذ بنود مذكرة التفاهم فيما يرتبط بالمرحلة الأولى التي وصفت “بالتجريبية” بات على محك التفاهمات الداخلية… وأن التأخير في هذا المسار ليس في مصلحة لبنان، مع تصاعد النيران في محيطه، والخوف من إعادة تفعيل طهران لهذه الجبهة، بعدما حركت ذراعها في اليمن، الذي أطفأ محركات منصات صواريخه التي كانت تستهدف إسرائيل، ليعود ويحركها باتجاه السفن التي تعبر المضيق، فهل ينسحب هذا الغليان على لبنان؟