الجمعة 18 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

فرنسا بين طائرة الخميني ومفاوضات لبنان.. تصحيح مسار أم بحث عن دور مفقود؟

تحاول الدبلوماسية الفرنسية اليوم استعادة دورها في لبنان، وهو دور تراجع كثيرا منذ قررت باريس إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع “حزب الله”، سواء بشكل علني أو من خلف الكواليس. فرنسا، التي كانت توصف دائما بأنها “الأم الحنون” للبنان، تبدو اليوم وكأنها تحاول إصلاح خطأ تاريخي قديم، فهذا الانهيار اللبناني يعود في جزء منه إلى عام 1979، حين نقلت طائرة فرنسية الإمام الخميني من باريس إلى طهران، ليؤسس نظام “ولاية الفقيه” الذي توسع حتى وصل إلى لبنان وأصبح يسيطر على قراره. اليوم تجد فرنسا نفسها في مواجهة نتائج ذلك الاحتضان القديم، حيث تحول لبنان إلى ساحة صراع كبرى لم تعد باريس تملك فيها تأثيرا حقيقيا.

إن المبادرة الفرنسية الأخيرة لوقف إطلاق النار تبدو كمحاولة لا يمكن التكهن بنتائجها والتي يرجح أنها لن تحصد أي ثمار وستبقى في إطار تكرار تجارب سابقة لإثبات حضور دبلوماسي ضعيف، فباريس غالبا ما تكتفي بتقديم “التمنيات”، فكيف إذا كانت هذه المبادرات تحصل تحت سقف وعلى جغرافيا تسيطر في سمائها وعلى أرضها صواريخ “الكورنيت” وأخواتها والمسيرات وسلاح الجو الإسرائيلي. يضاف إليها الحصار لهذا الدور الفرنسي في التفاوض مع حكومة لبنانية لا تملك سلطة تنفيذ قراراتها، بينما توجد مفاتيح القرار الحقيقية في طهران بيد الحرس الثوري ومجتبى خامنئي، الذين لا يهتمون كثيرا بالوساطة الفرنسية الهادئة. وقد جاء رفض وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، لأي وقف مؤقت لإطلاق النار بمثابة “رصاصة” تطلق على هذه الجهود، حين أكد أن طهران تستخدم لبنان ورقة ضغط لحماية مصالحها.

هذه المبادرات الفرنسية ليست غريبة، فهي امتداد لسياسة “الواقعية” التي اتبعها الرئيس إيمانويل ماكرون تجاه “حزب الله”. فمنذ زيارته لبيروت عام 2020، كان ماكرون أول زعيم غربي يجلس مع الحزب في قصر الصنوبر، معترفا به كقوة لا يمكن تجاهلها. هذا التقارب ظهر بوضوح عندما دعمت باريس سليمان فرنجية، مرشح الحزب للرئاسة، ضمن صفقة سياسية كانت تأمل من خلالها فتح أبواب الحل. ورغم الانتقادات التي وجهت لفرنسا بمهادنة سلاح الحزب، إلا أن إدارة ماكرون أصرت على أن استقرار لبنان يتطلب الحوار مع الجميع.

هذا التشدد الإيراني يثبت أن فرنسا، التي ساعدت النظام الإيراني في بداياته، تحصد اليوم ثماره على الساحة اللبنانية. وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، جاءت زيارة الموفد الخاص للرئيس الفرنسي جان-إيف لو دريان إلى بيروت ليلتقي بالمسؤولين اللبنانيين، حيث كان صريحا بقوله إن مطالبة لبنان بنزع سلاح “حزب الله” خلال أيام وتحت القصف هو أمر غير ممكن، وأن الحل الوحيد هو المفاوضات وليس فرض شروط تعجيزية.

وفي نفس السياق، يبرز دور وزير الخارجية الفرنسي الحالي، جان-نويل بارو، الذي يتوقع وصوله إلى بيروت اليوم. ووفق التسريبات فإنه سيحمل معه نتائج مشاوراته مع أمريكا وإسرائيل، للدفع بخطة السلام الفرنسية التي تسعى لوقف القتال ودعم الجيش اللبناني كقوة وحيدة شرعية. مهمة بارو اليوم هي محاولة أخيرة لانتزاع حل سياسي يحمي لبنان من الانهيار الكامل، وإثبات أن فرنسا ما زالت قادرة على لعب دور الوسيط.

هذه التحركات تأتي استكمالا لرغبة ماكرون في استضافة محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وهو ما اعتبره “تحولا كبيرا” في موقف الدولة اللبنانية. ورغم أن باريس طرحت خطة تتضمن مراقبة دولية للحدود وفتح ملف السلاح مستقبلا، إلا أن إسرائيل رفضتها بوضوح، كما استقبلتها واشنطن ببرود.

في النهاية، تعكس محاولات فرنسا لدعم الجيش اللبناني رغبة متأخرة في ترميم ما تبقى من سطوة الدولة، بينما يظل قرار الحرب والسلم بيد النظام الذي ساعدت باريس في ولادته. ومع ذلك، تبقى التحركات الفرنسية هي “الخيط الأخير” الذي يحاول منع الكارثة الكبرى وتوفير مخرج دبلوماسي في منطقة مشتعلة.

    المصدر :
  • صوت بيروت إنترناشونال