
نفق لحزب الله في لبنان
لا تزال الأسرار التي تتكشف عن هيكلية “الحزب” المحظور تثير الكثير من التساؤلات حول المدى الذي وصلت إليه تداخلات الجناح العسكري مع المؤسسات المدنية والبلدية. فالمعلومات المتقاطعة، ولاسيما ما يكشفه “صوت بيروت إنترناشونال”، يشير إلى أن المعارك الانتخابية الشرسة التي خاضها الحزب في القرى والبلدات لم تكن يوماً تهدف إلى “الإنماء” بمعناه التقليدي، بل كانت جزءاً من إستراتيجية عسكرية بعيدة المدى، تضع الإدارة المحلية في خدمة “الجبهة تحت الأرض”.
خلف شعارات الخدمة العامة وتوسيع الطرقات، تبين أن رؤساء بلديات تابعين للحزب يلعبون دور “المتعهدين الفعليين” لشبكة معقدة من الأنفاق. هذه المنشآت لا تقتصر على ممرات ضيقة، بل هي عبارة عن جبهة متكاملة تحت الأرض تربط المنازل ببعضها البعض، وتحول الأحياء السكنية إلى ثكنات محصنة لا يظهر منها فوق الأرض سوى معالم الحياة الطبيعية.
وفقاً للتقارير، فإن الأموال الطائلة التي ضُخت في الحملات الانتخابية، والجهود “الترهيبية” التي بذلت لتزكية لوائح معينة، كانت تهدف لضمان سيطرة مطلقة على القرار البلدي. هذه السيطرة تتيح للحزب الغطاء القانوني واللوجستي لاستخدام الآليات الثقيلة والمعدات الهندسية تحت ذريعة “المشاريع الإنمائية”، بينما الهدف الحقيقي هو حفر الجوف اللبناني وتحويله إلى مخازن ومنصات.
تعتمد الإستراتيجية المتبعة على استغلال مشاريع البنية التحتية كتمويه مثالي. فعندما يبدأ مشروع لتوسيع طريق عام أو شق طريق جبلية وعرة، تكون هذه العمليات في الحقيقة واجهة لحفر أنفاق طويلة وكبيرة قادرة على استيعاب ترسانة صاروخية ضخمة. هذه الأنفاق لا تعمل فقط كطرق إمداد مخفية، بل هي منشآت عسكرية متطورة مجهزة لحماية المقاتلين وتخزين الصواريخ بعيداً عن أعين الرقابة الجوية، بل وتحتوي على منصات إطلاق مخفية تخرج من “جوف الأرض” عند ساعة الصفر.
الأخطر في هذه الهيكلية هو تغلغلها داخل النسيج السكاني. فالأنفاق التي تبدأ من داخل المنازل الخاصة لا تربط الغرف ببعضها، بل تربط القرى ببعضها في شبكة عنكبوتية معقدة. هذا التداخل يجعل من الصعب الفصل بين ما هو مدني وما هو عسكري، ويحول القرى والبلدات إلى “دروع بشرية” فوق منشآت إستراتيجية.
إن ما كُشف عنه يضع المجتمع الدولي والداخل اللبناني أمام حقيقة صادمة: أن العمل البلدي في مناطق نفوذ الحزب ليس سوى ذراع هندسية للجناح العسكري، وأن ميزانيات البلديات وجهودها التي يُفترض أن تذهب لتنمية القرى، يتم تسخيرها لبناء “مدن عسكرية” تحت الأرض، مما يضع أمن القاطنين فوقها على كف عفريت في أي مواجهة قادمة.