
آثار القصف الإسرائيلي على البقاع شرقي لبنان (رويترز)
منذ انطلاقة عملية 7 أكتوبر عام 2023، والتي أطلقت عليها حركة “حماس” عملية “طوفان الأقصى”، بدأت المنطقة تعيش “طوفانًا” من نوعٍ آخر، اهتزّ معه الشرق الأوسط والخليج العربي، وفي وقتٍ هدأت فيه جبهة قطاع غزة مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنشاء “مجلس السلام”، اشتعلت باقي الجبهات بشكلٍ غير مسبوق، لا سيما بعد اغتيال “الولي الفقيه” علي خامنئي، حيث جاء تحرّك “حزب الله” بكامل قوته العسكرية والميدانية انتقامًا لهذا الاغتيال. عندها أُدخل لبنان في معركة “صراع البقاء” للنظام الإيراني، التي يبدو أنها لن تتوقف حتى بعد انهيار النظام في طهران، وهو ما صرّح به البارحة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إيفي ديفرين، الذي أعلن أن إسرائيل تتوقع “أسابيع إضافية من القتال” ضد “حزب الله” وإيران، مؤكدًا أن المواجهة ستكون طويلة لضمان أمن سكان الشمال.
وتشير مصادر خاصة لـ “صوت بيروت إنترناشونال” إلى أن هذا المشهد يعيد إلى الأذهان المقولة الشهيرة “جاء الحل بعد خراب البصرة”… حيث يتكرر المشهد اليوم في بيروت، التي تحاول فيها الدولة استعادة قرارها بمواقف، وإن كانت حادة وحاسمة، تجاه “حزب الله”، بينما الواقع الميداني والسياسي قد خرج من يدها منذ زمن لصالح طهران.
ومع اقتراب موعد انتهاء مهلة الـ 48 ساعة التي حدّدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران بفتح مضيق “هرمز”، تحت تهديد تدمير محطات الطاقة لديها، بلغت التهديدات الإسرائيلية ذروتها بتبنّي “سياسة الأرض المحروقة”. فقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن “تبنّي سياسة تهدف إلى تدمير البنية التحتية والمنازل في القرى اللبنانية الحدودية، على غرار النموذج العسكري الذي اعتُمد سابقًا في بلدة بيت حانون بقطاع غزة”. الهدف المعلن لهذه السياسة، كما صرّحت القيادة الإسرائيلية، هو “منع عودة عناصر “حزب الله” إلى المناطق الحدودية، وتحويل جنوب نهر الليطاني إلى منطقة غير قابلة للحياة، لضمان أمن سكان شمال إسرائيل”. وتزامنًا مع هذا التدمير الممنهج، أعلن البارحة رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زمير أن “العمليات البرية في لبنان لا تزال في مراحلها الأولى”، مؤكدًا التحضير لهجمات “منظمة وموسّعة” تهدف لجعل المنظمة “وحيدة ومعزولة”.
التصعيد الميداني
هذا الوعيد الإسرائيلي بنموذج “بيت حانون” تُرجم فعليًا على الأرض عبر تدمير الجسور الحيوية عند مجرى الليطاني، وهذا ما يقطع الشريان الحيوي بين شمالي النهر وجنوبه، وآخرها “جسر القاسمية”، لقطع خطوط الإمداد. هذه التطورات الميدانية دفعت رئيس الجمهورية جوزيف عون إلى التحذير من غزو بري وشيك، وتهيئة لفرض واقع احتلالي جديد، مدينًا استهداف الشرايين الحيوية التي تهدف لعزل الجنوب. عون طالب المجتمع الدولي بالتحرك الفوري لوقف هذا المسار، الذي يهدف لمحو هوية المناطق الحدودية وتحويلها إلى أراضٍ محروقة، خصوصًا مع صدور تحذيرات إسرائيلية تطالب السكان بالتوجه إلى شمال نهر الزهراني وعدم التحرك جنوبًا.
وفي مواجهة هذا الانهيار الميداني، خرج رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، عبر لقاء متلفز، بموقف حاسم أعلن فيه أن الحكومة حظرت أنشطة “حزب الله” العسكرية والأمنية باعتبارها “خارجة عن القانون”، مطالبًا بتنفيذ فوري للقرار 1701 وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، ومؤكدًا أن “سيادة الدولة لا تتجزأ”… إلا أن هذه “الدبلوماسية القانونية” لسلام واستغاثة عون اصطدمت بنبرة حادة وتصعيدية في الظهور الإعلامي الرسمي الأول لـ وفيق صفا، بعد قرار إقالته من رئاسة وحدة الارتباط وانتقاله إلى المجلس السياسي. صفا سجّل رسالة نارية اعتبر فيها أن “الحديث عن نزع سلاح المقاومة هو ضرب من الخيال، وأن أي محاولة لتنفيذ قرارات السلطة في هذا الشأن تمثل خطيئة كبرى لا إمكانية واقعية لها”.
صفا وجّه رسالة تحدٍ، مؤكدًا أن المقاومة “عالجت كافة الخروقات السابقة، وهي اليوم في كامل جهوزيتها لحرب استنزاف طويلة الأمد، مدعومة بمفاجآت نوعية وسلاح المسيّرات الانقضاضية الذي سيغيّر الموازين”. أما في الشأن الداخلي، فقد حمل خطاب صفا نبرة “قلب الطاولة”، معلنًا أن “العلاقة مع الحلفاء والفرقاء في لبنان لن تعود كما كانت قبل الحرب، فلدينا أجندة مختلفة تمامًا، وقد نضطر للجوء إلى الشارع إذا استمر التضييق السياسي”، متمسكًا بالتحالف الاستراتيجي مع رئيس مجلس النواب نبيه بري كـ “صمام أمان” وحيد.
وتلفت مصادر خاصة لـ “صوت بيروت إنترناشونال” إلى أن تدمير الجسور الممنهج وتطبيق سياسة الأرض المحروقة لتحويل الجنوب إلى “بيت حانون” يضع لبنان رسميًا في مهب الصراع الإيراني في مواجهة الأمريكي – الإسرائيلي، وقد يصبح في مواجهة من سيلتحق بهما، حيث تستخدمه إيران كطوق نجاة لإنقاذ ما تبقى من نظامها من الغرق.
في الخلاصة، تصطدم مواقف الرئيس عون ودبلوماسية نواف سلام بواقع مرير جعل من لبنان ثمنًا لمحاولات نظام “الولي الفقيه” إنقاذ نفسه من الغرق. وما الموقف الأخير لوفيق صفا إلا تنفيذًا لأجندات “حزب الله” المرتبطة بطهران، حيث ضاعت السيادة وسط نيران الحرب وتداعياتها، وما نراه اليوم ليس إلا بحثًا يائسًا عن وطن بعد أن وقع “الفأس في الرأس”.