
عناصر من الجيش اللبناني في جنوب لبنان
يعيش المشهد اللبناني على وقع محطتين مصيريتين تحددان شكل الأيام القادمة، وتضعان القيادة السياسية والجيش اللبناني أمام اختبار تنفيذي لم يعد يحتمل التأجيل. فمن جهة، ينتظر لبنان بفارغ الصبر ما سيحمله التقرير النهائي لقيادة الجيش حول سير تنفيذ الخطة الأمنية التي قُدمت لمجلس الوزراء. ومن جهة أخرى، تتعلق الآمال بـالتحرك الدبلوماسي الذي قاده رئيس الجمهورية بتكليف السفير سيمون كرم لرئاسة الوفد اللبناني في اجتماعات “الميكانيزم”.
هذا التزامن يشكل “الحد الفاصل”بين احتمال توقف القصف الإسرائيلي والعودة إلى الهدوء، أو الانزلاق نحو تصعيد أعنف بكثير، وهو ما تتوعد به القيادات الإسرائيلية صراحةً إن لم تتحقق مطالبها الأمنية.
تقرير الجيش والمأزق الإسرائيلي
يعد التقرير الذي ستقدمه قيادة الجيش حول ما أُنجز لتطبيق القرار الأممي بمثابة الخريطة النهائية التي ستحدد المسار الأمني للبنان. هذا التقرير هو امتحان للتنفيذ أمام الوسطاء الدوليين والأمم المتحدة، ويشكل النتيجة الحاسمة التي سيبنى عليها الموقف الإسرائيلي.. إما أن يعتبر كافياً لخفض التوتر، أو سيكون الذريعة المعلنة للعودة إلى التصعيد. وتتمحور الخطة اللبنانية الرسمية حول تثبيت الوجود العسكري اللبناني جنوب الليطاني وتأمين المنطقة، بهدف إزالة الذريعة الإسرائيلية لاستمرار عملياتها العدائية.
لكن المشكلة الجوهرية تكمن في أن هذه الجهود اللبنانية تصطدم بـالعقدة المستعصية، حيث تصر “تل أبيب” على أن أي ترتيب مستقبلي لـ “الهدوء” يجب أن يكون مشروطاً بنزع سلاح “حزب الله” أو على الأقل إبعاده بشكل جذري وكامل عن الحدود. ما يجعل تقرير الجيش والتحرك الدبلوماسي الراهن بمثابة آخر اختبار حقيقي قبل انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية أوسع.
سقطة إضافية أم توزيع أدوار
في ذروة هذا المشهد المعقد، أثار الوصف الحاد الذي أطلقه الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، بتسمية تكليف السفير كرم لرئاسة الوفد اللبناني في اجتماعات “الميكانيزم” بـ”السقطة الإضافية”، موجة من التساؤلات حول طبيعة التنسيق الداخلي ضمن “الثنائي الشيعي”. ففي الوقت الذي اعتبر فيه قاسم الخطوة “تنازلاً مجانياً” لا يتماشى مع شروط المقاومة، رغم اشارة بيان رئاسة الجمهورية إلى أن التكليف جاء بعد “التشاور مع الرئيس نبيه بري”، ما يضع الموقفين في سياق يطرح احتمالين رئيسيين… التباين في الموقف، أو توزيع الأدوار المحكم.
تصعيد قاسم: تحديد السقف السياسي
يدخل موقف الشيخ نعيم قاسم في إطار تصعيدي واضح، يهدف إلى رسم حدود فاصلة بين موقف المقاومة وأي خطوة رسمية لبنانية قد تفهم على أنها”تطبيع” أو “تفاوض سياسي” يخرج عن الإطار التقني العسكري البحتي. وقد اعتمد قاسم على الرفض المبدئي للتكليف لكونه تنازلاً لم يقابله وقف للأعمال العدائية، محذراً بشدة من أن “التماهي مع إسرائيل يعني ثقب السفينة وعندها سيغرق الجميع”، مؤكداً أن قرار المقاومة يظل أعلى من قرار المؤسسات الرسمية في هذا الملف الحساس.
هندسة المواقف
في ظل الإشارة إلى “التشاور مع الرئيس بري” قبل التكليف، تبرز المفارقة، هل هناك تباين حقيقي بين الحزب والأخ الأكبر.. التفسير الأرجح هو احتمال توزيع الأدوار المدروس، نظراً للتحالف الاستراتيجي المتجذر بين الطرفين. فـدور بري الرسمي يركز على إبقاء قناة التواصل مفتوحة ومنع العزل الكامل للبنان، بينما يأتي دور قاسم القيادي، لتثبيت الموقف الثوري الرافض لأي تفاوض يخرج عن إرادة المقاومة، وتوجيه رسائل حزم للداخل والخارج.
في الخلاصة، يبدو أن تصريح قاسم هو رفع للسقف السياسي والضغط على مسار التكليف وليس إعلاناً عن انشقاق داخلي، ما يؤكد أن وحدة قرار”الثنائي الشيعي” في القضايا الاستراتيجية لا تزال صامدة رغم الاختلاف العلني في التكتيكات. وبين تصعيد الحزب وتحرك الدولة، يبقى تقرير الجيش هو الكفة المرجحة التي ستحدد ما إذا كانت الجهود الدبلوماسية والأمنية قد وصلت إلى نقطة التقاء تمنع انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية أوسع.