
دخان يتصاعد فوق قرية كفر تبنّيت بعد غارة إسرائيلية، في جنوب لبنان، 18 سبتمبر 2025. رويترز
لم يعد لبنان يترنح تحت وطأة الأزمات فحسب، بل يندفع بسرعة نحو لحظة الحقيقة. فالتوازنات الهشة التي أبقت البلاد في حالة “لا حرب ولا سلم” تتهاوى، بينما تتصاعد مؤشرات الخطر من كل اتجاه. السؤال ليس هل سيحدث الانفجار، بل متى وأين.
الأجواء في المنطقة بأسرها حبست أنفاسها، فإسرائيل ترفع منسوب التهديد إلى مستويات غير مسبوقة. الغارات العنيفة على الجنوب، والتحذيرات الصريحة للسكان بالإخلاء، تؤكد أن قواعد الاشتباك قد تحطمت. ووفقًا لمصادر مطلعة، فإن سيناريوهات العودة إلى الحرب أصبحت شبه محسومة، وقد تشتعل شرارتها خلال أيام. ووراء هذا التصعيد، يقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أطلق تحذيراته النارية معلنًا أن العام الجديد سيكون “عام القضاء على المحور الإيراني”، وهو ما يضع لبنان مباشرة في عين العاصفة. ولتأكيد هذه الرسالة، نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت تفاصيل مزعومة عن عملية اغتيال حسن نصر الله، في خطوة استفزازية تهدف إلى إظهار قدرة إسرائيل على الاختراق، وتوجيه ضربة رمزية تتجاوز البعد العسكري.
لبنان في مرمى النار
في المقابل، إيران لم تتراجع. مرشدها الأعلى، علي خامنئي، يصف حزب الله بأنه “ثروة كبرى للعالم الإسلامي”، في رسالة واضحة بأن طهران لن تتخلى عن ورقتها الأقوى. فالدعم الإيراني مستمر، وحزب الله هو جزء لا يتجزأ من منظومة الردع الإقليمي. كما تضغط الولايات المتحدة بجدية، عبر مبعوثها توم باراك، الذي حذر من أن الوقت ينفد، وأن فشل الحكومة اللبنانية في نزع سلاح حزب الله قد يفتح الباب أمام هجوم إسرائيلي. هذه التصريحات تكشف عن نفاد صبر واشنطن، وتوحي بوجود خطط سرية تُناقش خلف الكواليس.
داخليًا، الصورة لا تقل توترًا. الجيش اللبناني أعلن عن خطة أمنية، لكن لا مؤشرات واضحة على تنفيذها، مما يثير تساؤلات حول طبيعة التحرك الأمني المرتقب. هل هو جزء من ترتيبات أكبر تُدار بعيدًا عن الأضواء؟ وفي قلب المشهد السياسي، انفجر الاشتباك الصامت بين رئيس الحكومة نواف سلام و”حزب الله”. قرار سلام بمنع استخدام المعالم العامة مثل صخرة الروشة لأغراض سياسية، كان ردًا مباشرًا على نية الحزب إضاءتها بصورة نصر الله. هذه الخطوة الرمزية أشعلت استنفارًا لدى “الثنائي الشيعي”، وبدأت تحركات تنذر بمواجهة داخلية مفتوحة.
لبنان اليوم لا يقف فقط على حافة الانهيار، بل يقترب من لحظة الانفجار التي قد تعيد رسم خارطة التوازنات في المنطقة. كل مؤشر داخلي وخارجي يشير إلى أن الوقت لم يعد في صالح التهدئة، وأن البلاد دخلت فعليًا في سباق مع التصعيد. إذا استمر هذا الجمود السياسي، فإن الانفجار لن يكون مجرد احتمال، بل واقعًا مدويًا قد يفتح أبواب الفوضى على مصراعيها، داخليًا وإقليميًا.