
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
لاث تدوينات كتبها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على منصته “تروث سوشال”، شكلت المسار الذي أوصل إلى بيانه الذي أعلن فيه إطلاق ما سماه “مشروع الحرية”، لطالما ردد ترامب أنه “يمتلك كل الأوراق”، واليوم، يعيد تأكيد مضمون هذه العبارة بتدوينة على منصته “تروث سوشال”، ظهر فيها حاملا “أوراق اللعب”، سبقتها صورة نشرها سابقا مع فريقه الذي يصنف ضمن “الصقور”، وهو يعتلي كرسيا مذهبا يتوسط “بحيرة الانعكاس” في واشنطن… هذه اللوحة التي ظهر فيها ترامب محاطا بفريق محدد يتقدمه جي دي فانس بصفته نائبا للرئيس، الشخص الذي حسم التفاوض مع إيران بقيادته الفريق التفاوضي وبتمزيقه الأوراق التي جمعها نظام الملالي وأعاد تدويرها في كل مرحلة تفاوضية… بإعلانه فشل المفاوضات من إسلام آباد فور انتهاء الجلسة التفاوضية الماراثونية وقبل مغادرته إلى واشنطن، ليؤشر إلى أن عهد المداهنة والمهادنة قد ولى، وأن أميركا التي يمثلها لا تخشى الاعتراف بأن زمن المناورات قد انتهى… إنه زمن انتهاء المهل والانتقال إلى زمن الأفعال.
وفي تشريح لبقايا المشهد في “اللوحة الترامبية”، تبدو المحامية ألينا حبة في أحد جوانب الصورة، لكنها ليست على الهامش، فلدورها أهمية كبرى، كونها شكلت الدرع القانوني الذي أسقط القضايا التي رفعت على الرئيس ترامب، لتصبح ضمن الفريق الذي سيسهم في هندسة المشهد السياسي الجديد. المشهد في هذه الصورة لا يكتمل إلا بتوسط وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لهذه الشخصيات، لكن لا يمكن اعتباره في المشهد السياسي في الوسطية… هو يتصدر المقدمة، كأحد أبرز صقور الحزب الجمهوري في إدارة ترامب وأبرز مهندسي السياسات العابرة للقارات، من فنزويلا التي كان أحد أشد محاصريها، مرورا بإيران التي يراها رأس الحربة في زعزعة الاستقرار، وصولا إلى لبنان الذي بات اليوم في صلب اهتماماته… ماركو روبيو هو الذي مهد الطريق لإجراء المحادثات الأولى بين لبنان وإسرائيل، محولا إعلان ترامب إلى حقيقة ملموسة برفعه “سماعة هاتفه” ليتصل بالرئيس اللبناني جوزيف عون، مبلغا إياه برغبة الرئيس ترامب ببدء المحادثات بين لبنان وإسرائيل بمعزل عن طهران، ما يؤكد أننا أمام “رجل مهمات” يربط ملفات المنطقة بخيط واحد من التشدد.
أما دوغ بورغوم، الذي ظهر خلف روبيو في الصورة، فقد طرح ظهوره تساؤلات حول أسباب جمعه مع الشخصيات التي ذكرت سابقا. ووفق ما يتم تداوله، يعتبر دوغ جزءا من المنظومة أو الكادر المحيط بالرئيس، يطلق عليه اسم “قيصر الطاقة” الجديد في إدارة ترامب، ويشغل منصب وزير الداخلية ورئيس المجلس الوطني للطاقة. قوته تكمن، وفق ما يتم تداوله في أروقة إدارة ترامب، في أنه تمكن من دمج التكنولوجيا بالموارد الطبيعية لتحقيق “الهيمنة الكاملة”. ومن أهدافه الرئيسية إغراق الأسواق بالنفط والغاز الأميركيين لخفض الأسعار عالميا، ما يؤدي إلى كسر النفوذ المالي لخصوم واشنطن، وتحديدا إيران، وبذلك يضمن استدامة تدفقات الطاقة من خلال تأمين الممرات المائية عبر وضعها تحت المظلة الأمنية الأميركية.
“بحيرة الانعكاس” الاختيار القاتل
لم يكن اختيار موقع “بحيرة الانعكاس” في قلب واشنطن صدفة، فهي تشكل مع “الكابيتول” وتمثال أبراهام لنكولن ثلاثية تحمل أبعادا تاريخية عميقة، وتؤشر إلى “الثبات رغم الهدوء”… صورة ترامب وفريقه في وسط “بحيرة الانعكاس” انعكست ليلة البارحة ترجمة عملية على الأرض، بإعلان ترامب النفير العام ببيان حاسم انتظره العالم ورافقته تكهنات حول مضمونه… هذا البيان الذي أعلن فيه ترامب إطلاق “مشروع الحرية”… سيبدأ تنفيذه صباح اليوم، وبذلك تكون “أبواب الجحيم” فتحت على مصراعيها على نظام “الولي الفقيه”. خطوة ترامب حاصرت الجميع، وعلى رأسهم طهران، وهو أمر بديهي، لكن شرارتها طالت كل من تمنع عن فتح المضيق، والمفارقة المهمة إضفاء ترامب عليها صبغة “إنسانية”، مؤكدا أن العملية ملحة لإنقاذ الأطقم التي “تعاني من نقص في الغذاء”، وواصفا إياهم بضحايا الظروف.
لفتة إنسانية
أبلغ ترامب، وفق البيان، جميع الدول المتضررة “بأنه سيقوم بتوجيه سفنها بأمان للخروج من هذه الممرات المائية المقيدة… هذه لفتة إنسانية نيابة عن الولايات المتحدة والشرق الأوسط، وبالأخص دولة إيران”. لكن خلف هذه اللغة، يكمن التهديد الحقيقي في ختام بيانه بقوله: “إذا تم التدخل في هذه العملية الإنسانية بأي شكل من الأشكال، فسيتم التعامل مع هذا التدخل، للأسف، وبقوة”. بيان ترامب وخطته التي أعلنها وأطلق عليها “مشروع الحرية” تحمل أبعادا إلى الداخل الأميركي، ولمن يعمل على العرقلة في موضوع المهلة المعطاة له، والجدل القائم حول مهلة الستين يوما الممنوحة له… بهذا الإعلان تمكن ترامب من تحويل الضغط إلى عنصر دعم، وأطلق الحرية لقراره، ومنع عنه التقييد من خلال الالتفاف عليه بمشروع تحرير المضيق لأهداف إنسانية.
إيران وسياسة “حافة الهاوية”
اليوم تبدو طهران أمام معادلة قاسية، فإما الانصياع لاتفاق شامل ينهي طموحاتها النووية ونفوذها الإقليمي بشروط أميركية، أو مواجهة آلة عسكرية تعمل تحت “مظلة إنسانية” لتحرير المضيق… لقد كتب نظام الولي الفقيه اليوم خاتمة لـ”قدرته المزعومة”، حين اتخذ قرارا انتحاريا بنقل ملف التفاوض النووي مع الولايات المتحدة من أروقة الدبلوماسية إلى مواجهة أمنية عالمية بامتياز، بإغلاقه مضيق هرمز، متجاوزا “الخطوط الحمراء” ومحولا الممر من شريان طاقة إلى باب سيفتح عليه نارا “جهنمية” ستحرق ما تكدس من ملفات تفاوضية ما زالت تراهن عليها طهران.
إن المغامرة التي قام بها من تبقى من “نظام الولي الفقيه”، وعلى رأسهم الحرس الثوري، بإغلاق مضيق هرمز، كانت الرصاصة التي أطلقها النظام على قدميه… اليوم ستكون طهران أمام اختبار “مر” مع إعلان بدء خطة تحرير السفن من المضيق، فهل تجرؤ على عرقلة “العملية الإنسانية” أم أنها ستراقب مشهد احتراق ورقة المضيق في وقت تعيش حصارا بحريا قد يؤدي إلى انهيار منظومتها النفطية خلال أيام.