
رقعة شطرنج بين علمي الولايات المتحدة وإيران (رويترز)
تتجه الأنظار إلى العاصمة التركية، ليس لمتابعة جولة مفاوضات روتينية، بل لرصد الفرصة الأخيرة التي سيتحدد على أساسها مصير المنطقة برمتها… فالمشهد اليوم لا يحتمل المناورة، والأساطيل الأميركية والحشود العسكرية في حالة استنفار قصوى، والوقت يداهم الجميع، مما يضع إيران أمام مفترق طرق مصيري لا خيار فيه سوى التنازل الجذري أو المواجهة الشاملة.
في موازاة هذا، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذه المفاوضات مدفوعًا بضرورة الحسم السريع… فصورته كرجل الصفقات القوي لا تسمح له بالوقوع في فخ المماطلة التي استنزفت الإدارات السابقة. ترامب يستخدم مفاوضات أنقرة كمنصة لإعلان “الإنذار الأخير”، واضعًا طهران بين فكي التهديد العسكري المباشر وخناق دولي لم يعد يقتصر على واشنطن وحدها.
وما يزيد من تعقيد موقف طهران هو حالة الإطباق الدولي التي تزامنت مع انطلاق هذا المسار، فلم يعد الضغط أميركيًا فحسب، بل اتخذ أبعادًا عالمية غير مسبوقة مع قرار الاتحاد الأوروبي الأخير بتصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، وهو ما يضع القوة العسكرية الأبرز في إيران على قدم المساواة قانونيًا مع التنظيمات المصنفة دوليًا. هذا التصعيد الأوروبي عززته موجة عقوبات تدفقت منذ أيام من كل حدب وصوب، كان آخرها الحزم المشددة التي أعلنتها بريطانيا وتبعتها أستراليا اليوم، والتي استهدفت قيادات أمنية وكيانات اقتصادية مرتبطة بهيكلية النظام، مما يقلص فرص المناورة المالية والسياسية لإيران قبل الجلوس على طاولة أنقرة.
ورغم المرونة التي تحاول طهران إبداءها، إلا أن المحللين يرون أنها مرونة لا يمكن التعويل عليها كما في السابق، فإن إيران التي اعتمدت تاريخيًا على سياسة كسب الوقت، تجد نفسها اليوم أمام واقع ميداني مختلف… فالحشود العسكرية الأميركية والتنسيق الإسرائيلي عالي المستوى مع مبعوث الرئيس الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيفن ويتكوف ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي اللواء إيال زامير، يسحب بساط المماطلة من تحت أقدام المفاوض الإيراني.
ومما يزيد الضغط هو التحصين الداخلي في تل أبيب، فاجتماع زعيم المعارضة يائير لابيد بخصمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وإعلانهما الوقوف صفًا واحدًا ضد التهديد الإيراني، وجّه رسالة حاسمة لطهران بأن الرهان على التصدع الداخلي لخصومها قد سقط. هذا التوافق يمنح واشنطن الضوء الأخضر الكامل لرفع سقف المطالب إلى حده الأقصى، معتبرة أن أي اتفاق لا يفكك القدرات النووية والنفوذ الإقليمي هو اتفاق مرفوض مسبقًا.
في المقابل، تعكس لغة التهديد الصادرة من طهران تحولًا جذريًا في رؤيتها العسكرية، حيث دعا مستشار المرشد علي شمخاني دول المنطقة لارتداء الزي العسكري. ويرى المراقبون أن طهران انتقلت رسميًا من استراتيجية “الصبر الإستراتيجي” التي كانت تعتمد على امتصاص الضربات وتأجيل الرد، إلى استراتيجية “الردع الهجومي”. وهذا التحول يعني أن إيران باتت تتبنى مبدأ الهجوم الاستباقي ونقل المعركة إلى خارج حدودها عند شعورها بخطر داهم، معتبرة أن أي اعتداء على مصالحها سيواجه برد مباشر وفوري يطال القواعد الأميركية والمصالح الحيوية في المنطقة، لرفع كلفة أي عمل عسكري ضدها.
في المحصلة، مفاوضات أنقرة هي الممر الإجباري نحو الحسم، فإما أن تفضي الضغوط الهائلة إلى تنازلات مؤلمة تنهي الأزمة بصفقة كبرى، أو يكون لقاء تركيا مجرد ذريعة أخيرة قبل أن تتحرك الأساطيل لتنفيذ ما تم إعداده في غرف العمليات المشتركة، بانتظار من سيملك الشجاعة لقراءة الإنذار الأخير بجدية.