
رون أراد
ما تزال قضية فقدان الطيار الإسرائيلي “رون أراد” تمثل الثقب الأسود في تاريخ الصراع الاستخباراتي في المنطقة، ومع حلول ديسمبر 2025، يبرز تساؤل جوهري حول أسباب عودة هذا الملف فجأة إلى واجهة الاهتمام، وما الذي استدعى تحريك المياه الراكدة بعد مرور نحو أربعة عقود على سقوط طائرته؟
أكتوبر 1986: لحظة السقوط وبداية الغموض
بدأت الوقائع في أكتوبر 1986، حين تعطلت طائرة “رون أراد” فوق جنوب لبنان اثر انفجار احد الصواريخ قبل أوانه بالقرب منها خلال مهمة قصف. قفز أراد وزميله الطيار يشاي افيرام بالمظلة للنجاة، وفيما نجحت القوات الإسرائيلية في إنقاذ افيرام بعد وقت قصير، اختفى اثر أزاد تماما منذ تلك اللحظة، وتشير تقارير صحفية إلى اعتقاد تل أبيب بان حركة أمل احتجزته بداية، قبل أن تتداخل الروايات حول نقله إلى إيران ثم أعادته إلى لبنان. وخلال فترة احتجازه الأولى، لم يصل إلى إسرائيل سوى ثلاث رسائل وصورة واحدة، وانقطع اي اتصال ملموس منذ عام 1987.
تقاطع الروايات: متى توفي اراد؟
رغم سنوات البحث، توصلت اجهزة امنية وفق ما نقلته مصادر اعلامية الى استنتاج مفاده ان “رون اراد” توفي على الأرجح بحلول عام 1988، وهو موعد ابكر مما كان يعتقد سابقا. هذا التاريخ يتقاطع بشكل لافت مع تصريحات الامين العام لـ “حزب الله” عام 2006، الذي اشار الى اعتقاد الحزب بوفاته مع جهل مكان دفنه، وما نقله المفاوض الألماني غيرهارد كونراد عام 2008 حول فرضية وفاته اثناء محاولة هروب في العام ذاته (1988).
رواية قبر بولونيا اللبنانية
في سياق هذه الفرضيات الزمنية، برزت عام 2016 معطيات امام المحكمة العسكرية الدائمة في لبنان، حيث ادلى المتهم (م. ق) بشهادة زعم فيها ان اراد احتجز في بلدة الفرزل عام 1988 ونقل الى ضهور الشوير، وادعى انه توفي نتيجة الانهاك والضرب اثناء التحقيق ودفن في احراش بلدة بولونيا. الا ان هذه الرواية، كغيرها، ظلت محاطة بالشك، خاصة وان القضاء اللبناني ادان في تلك الفترة متهمين اخرين مثل (إ. ض) و(ك. ط) بتهمة ايهام الجهات الاجنبية وبيع رفات واضراس وصور تبين لاحقا انها غير صحيحة، طمعا في المكافآت المالية.
غموض زحلة وشبهات عملية للموساد
اليوم، وفي ديسمبر 2025، تعود التساؤلات لفرض نفسها بقوة بعد الانباء عن اختفاء النقيب المتقاعد في الامن العام احمد علي شكر في منطقة زحلة.
وفي تطور امني وقضائي بارز، نقلت مصادر اعلامية عن مصدر قضائي لبناني اشتباه الاجهزة الامنية في ان جهاز الموساد الاسرائيلي قد نفذ عملية اختطاف استهدفت النقيب شكر في البقاع على خلفية هذه القضية، وافادت المصادر القضائية ان الاجهزة ترجح ان يكون لعملية الخطف علاقة باختفاء الطيار الاسرائيلي “رون اراد” عام 1986، حيث اشارت المعلومات الى ان النقيب المختطف جرى استدراجه من بلدة النبي شيت الى اعالي زحلة حيث تم اختطافه.
كما كشفت مصادر اعلامية عن اشتباه لبنان بدخول مجموعة لمطار رفيق الحريري الدولي، قبل عملية خطف النقيب المتقاعد بيومين ثم غادرت بعد التنفيذ مباشرة. ووفقا لهذه المصادر، يسود اشتباه امني بان يكون قد فقد اثر “رون اراد” قديما من منزل يعود لآل شكر في بلدة النبي شيت، مما يطرح تساؤلات حول ما اذا كانت هناك معطيات تقنية او استخباراتية جديدة استدعت العودة الى الجغرافيا اللبنانية للتدقيق في كافة الاحتمالات، من تقارير الوفاة القديمة الى شهادات المحكمة العسكرية حول قبر بولونيا، بحثا عن خيط حقيقة ضاع وسط ركام من المعلومات المضللة.
ان قضية “رون اراد” في عام 2025 تظل ملفا مفتوحا على كافة الاحتمالات. وبين التقارير الدولية التي ترجح وفاته قديما، والروايات المحلية التي تظهر وتختفي في اروقة المحاكم، يمثل اختفاء النقيب شكر مؤشرا على ان البحث في هذا الملف لم ينته بعد، وان الحقيقة لا تزال تائهة بين محاولات استعادة معلومات مفقودة وبين الرغبة في ابقاء السر طي الكتمان.