الخميس 18 ذو الحجة 1447 ﻫ - 4 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

من "الكونفورت" إلى "تلال عين سعادة".. حقيقة ضائعة ومستهدف مجهول

عندما تمتد نيران “الانتقام لعلي خامنئي” لتطال كل مناطق لبنان، يجد المواطن نفسه وحيدًا أمام حرب لم يقررها، وسط محدودية قدرة مؤسسات الدولة على القيام بدورها المحوري في حماية الناس الذين لم يختاروا الدخول في صراعات “الولي الفقيه”.

اليوم، لم يعد الجنوب مجرد جبهة، بل صار خاضعًا لعملية “قضم” واضحة، قرى تمسح بالكامل، وجسور تُدمّر لتقطع التواصل بين جنوب الليطاني وشماله، ولا تسلم من هذه النيران الضاحية الجنوبية لبيروت، التي كانت البارحة مسرحًا لعدة غارات من الطيران الإسرائيلي، كما البقاع بغربه وشماله وشرقه.

هذا التوسع الخطير في الحرب بدأ يظهر بوضوح مع الاستهداف الأول لجغرافيا لا ترتبط ببيئة “حزب الله”. ففي أواخر الشهر الفائت استُهدف “أوتيل كومفورت” في الحازمية، الأمر الذي فرض نوعًا من الذهول لدى اللبنانيين، إلا أن الخطورة في هذا الاستهداف تمثلت بموقع الفندق، في قلب “مربع أمني” رسمي بامتياز. ورغم الضبابية التي رافقته حينها، إلا أنها عادت لتتوضح لاحقًا مع الاستهداف الثاني الذي طال إحدى الشقق في نيو مار تقلا بالحازمية، لتظهر التسجيلات وتؤكد أن الذي قُتل في شقة الحازمية هو نفسه من حجز في الفندق، وفشلت عملية استهدافه حينها، وهنا تظهر الحقيقة كما هي، وأن محاولة إنكارها لم تنفع.

تعكس هذه الحوادث حالة من الانكشاف الأمني الذي لا يمكن للمواطن مواجهة تحدياته، خاصة مع تكرار الاستهدافات التي جاء بعضها مؤخرًا نتيجة اعتراض صاروخ فوق مناطق كسروان، لم تتضح وجهته ولا مكان انطلاقه. وتلاه لاحقًا ما جرى في منطقة ماروكز – الدكوانة، حيث تفاجأ سكان البلدة باستهداف لم تُعرف طبيعته ولا المستهدف، لم يتبين منه سوى الحفرة الكبيرة، ما جعل سكان المنطقة يعيشون هاجس الأخطار الأمنية الدائمة في مناطق كانت تُصنّف آمنة.
هذا التوتر الميداني عززه سقوط المسيرة في جرود “آسيا” بالبترون، ليتبين أنها إيرانية الصنع، والتقديرات أنها كانت تتجه إلى قاعدة حامات. هذا الغموض الميداني انسحب أيضًا على منطقة “تلال عين سعادة” التي شهدت ليلة أمس تطورًا أمنيًا كبيرًا، إثر غارة أدت إلى خسارة المسؤول في القوات اللبنانية بيار معوض. ورغم وقوع الإصابة في الطابق الذي يعلو سكن معوض، إلا أن ظهور الدراجة النارية وملاحقتها أثار شكوكًا كبيرة. وتشير المعلومات المتداولة أن معوض نفسه كان قد اشتبه بوجوه غريبة تحوم حول سكنه، وأبلغ الجهات المعنية، لكن بلا جدوى، مما يطرح سؤالًا كبيرًا حول وجود إهمال في مناطق يفترض أنها آمنة.

وبالأمس جاء كلام رئيس الجمهورية جوزاف عون من الصرح البطريركي في بكركي، الذي حذر فيه من أن “السلم الأهلي خط أحمر”. إلا أن هذا الحزم اصطدم بتأكيده “أن هذه الحرب خارجة عن إرادة المؤسسات وإرادة الشعب اللبناني”، وهو اعتراف رسمي يضع النقاط على الحروف حول محدودية القرار السيادي في اللحظة الراهنة.

هذا الكلام ينسجم مع إشارته لاحقًا إلى أن “البعض حب يجر لبنان لحروب ما له علاقة فيها، وحب يربط لبنان بمصير المنطقة”. لكن من خلال كلامه الذي أبقى فيه هوية المسؤولين في إطار “تجهيل الفاعل”، يتضح حجم التحدي في تسمية الأمور بمسمياتها، فبينما يقر الخطاب بانزلاق لبنان نحو “وضعية قضم” وتدمير للأوصال، يكتفي بالإشارة إلى المتسببين بصيغة مجهولة.

ختامًا، يطرح التساؤل إن كانت ستتمدد الاستهدافات الغامضة للمناطق التي رفضت الانتقام “للولي الفقيه” و”وحدة الساحات”، في الوقت الذي تستغيث فيه القرى الحدودية التي رفض أهلها تركها، في الوقت الذي انسحبت منها الدولة، لتُترك لمصيرها المجهول مع انقطاع مقومات العيش من طبابة وغذاء وأمن، وهذا يقودنا إلى أننا أمام واقع عسكري شديد الخطورة، حيث تدفع القرى والمدن اللبنانية ثمن صراعات إقليمية، بانتظار انفجار كبير قد يشعل ما تبقى من الجغرافية اللبنانية.