الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

نبيه بري.. من قيادة دفة التسويات إلى موقع الدفاع السياسي

شغل لعقود طويلة موقع الركن الأساسي في أي مسعى للتفاوض أو إيجاد حلول للأزمات اللبنانية. انه رئيس مجلس النواب نبيه بري ، الذي يمر اليوم بتحول في دوره ليصبح في موقع مختلف يمكن وصفه بـ “موقع الدفاع السياسي” وفق مصادر متابعة لمسيرته. فبعد ان كان الحلقة الاساسية في ملف المفاوضات البحرية فيما عرف بملف حقل “كاريش”، الذي شكل محطة بارزة في تاريخ الصراع مع “إسرائيل”، حين اطلق هذا الملف عام 2011، وأعاد إحياءه عام 2022 بعد أن ظل مجمدا لسنوات، عاد ليكرر طرحه في سياق المفاوضات غير المباشرة، مؤكدا أن هذا الملف لا يمكن تجاوزه في أي اتفاق.

يمر بري اليوم بتحول واضح في موقعه السياسي وفق المصادر نفسها. الرجل الذي اعتاد أن يكون “المايسترو” الممسك بخيوط لعبة التوازنات، سواء في داخل المجلس بـ “مطرقته” ، او خارجه لاسيما المرتبطة بتأليف الحكومات، يجد نفسه اليوم في موقع مختلف تماماً يوصف بـ “الدفاع السياسي”. هذا التحول برز بوضوح حين استثني من زيارة نائب مساعد الرئيس الأميركي لشؤون مكافحة الإرهاب الأمريكي سيباستيان غوركا، الأمر الذي عكس بوضوح تراجعاً في مكانته كقناة تفاوضية رئيسية في نظر واشنطن. وتشير هذه المصادر إلى أن الأمريكيين باتوا يرون بري جزءاً من المشكلة المتعلقة بدعم وتمويل “حزب الله” وليس جزءا من الحل المنشود، ما أثار تساؤلات جدية حول ما إذا كان دوره التقليدي كوسيط أساسي لا يزال مطلوباً في المشهد اللبناني الراهن.

تراجع الدور وضغوط الخارج والداخل

في هذا السياق وفق المصادر نفسها ، تزايدت الضغوط الخارجية على البيئة المحيطة بـ “حزب الله”، من خلال ذكر السيناتور سيباستيان لجمعية “القرض الحسن” بالاسم خلال اجتماعاته الاخيرة في بيروت مع رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، باعتبارها جزءا من المطالب الأمريكية لاصلاح النظام المالي ووقف قنوات تمويل الحزب. وفي المقابل جاء البارحة جاء رد “حزب الله” واضحا، حين أعلن بشكل صريح أن “القرض الحسن” يوازي سلاحه العسكري، مؤكداً أنها ليست مجرد مؤسسة مالية، بل أداة دعم اجتماعية واقتصادية للمقاومة، وأن أي محاولة لإغلاقها أو محاصرتها تعد بمثابة محاولة لنزع سلاحه. هذا الموقف يضيق هامش المناورة أمام بري ويحد من قدرته على التحرك، خصوصا أنه كان يُنظر إليه سابقا باعتباره المفاوض الأول باسم الحزب في محطات مفصلية.
هذا المشهد يعكس تحولا في ميزان القوى الداخلي وتراجعا نسبياً لمكانة الرئيس بري. يضاف إليها تطويقه أمنيا بعد الاستهداف الذي تعرض له محيط مقره في المصيلح من قبل “الجيش الإسرائيلي”، وطال ما يرتبط بالإعمار الذي كان الرئيس بري واجهته من خلال “مجلس الجنوب”. وهنا لا بد من التذكير ان “تطويق الرئيس بري” بدأت بوادره عندما وضعت العقوبات الأمريكية على الوزير السابق علي حسن خليل، ذراعه الأيمن في وزارة المالية، والشخصية الثابتة في اي معادلة حكومية، ما أدى إلى إقصاء فعلي لفريق بري من الصورة التنفيذية وتقليص نفوذه في مؤسسات الدولة.

الودائع والشعارات في غياب الرؤية

تظهر كلمة الرئيس نبيه بري امام وفد نقابة المحررين، وكأنه يسعى إلى طمأنة الرأي العام والتخفيف من وطأة الأزمة، لكنه يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الدور القيادي المطلوب في مثل هذه الظروف. حيث شدد على ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها، لكنه عاد ليضع مسؤولية تأخر إرسال القانون على عاتق الحكومة. وهو الذي يملك سلطة إدراج أو تعطيل مشاريع قوانين أساسية وفي مقدمها قانون انتخابات المغتربين، ومن يمسك بقبضة المطرقة التي تتحكم بمصير الملفات عبر إحالتها للجان.

وفي الأزمة المالية، كرر عبارته القوية والشهيرة… “الودائع مقدسة مقدسة مقدسة”، وهي رسالة عاطفية قوية. لكنه لم يطرح بالتوازي خطة تشريعية واضحة لحماية هذه الأموال أو استعادتها، واكتفى بتحميل الحكومة مسؤولية قانون الفجوة المالية. هذا الخطاب يهدئ القلق، لكنه يفتقر للتفاصيل العملية التي ينتظرها المواطن العادي.

وفي شأن الجنوب، اكتفى بري بالتأكيد على التزام لبنان، مشدداً على أن المقاومة لم تطلق رصاصة منذ أحد عشر شهراً، ورافضاً التفاوض السياسي مع إسرائيل. ورغم أهمية هذا الموقف، إلا أنه لا يقدم رؤية جديدة وشاملة لمواجهة التحديات الأمنية. وحتى في توصيفه للأزمة بأنها “الأخطر في تاريخ لبنان”، أتبعها بالدعوة المكررة إلى “الوحدة ثم الوحدة ثم الوحدة”، وهي عبارة لا تملك مقومات الترجمة على الأرض.
في الخلاصة، كلام الرئيس بري يعكس في جوهره مأزق السلطة بأكملها لناحية التأكيدات على الاستحقاقات والودائع والوحدة، لكنها تفتقر إلى خطة عمل ملموسة لإنقاذ الوضع. وهذا ما يؤشر الى ان مفاتيح الحلول التي كان يملكها الرئيس بري لم تعد قادرة على فتح الأبواب، وبات هامش التحرك أضيق مع الوقت، ولذا فهو يحاول حماية ما تبقى من قدراته السابقة وسط تحديات غير مسبوقة داخليا وخارجيا.