
مبنى وزارة العدل
يشكل رفع اسم “هيئة تحرير الشام” من قوائم الإرهاب الأمريكية والعالمية، بعد تحولاتها وتبنيها “فكر الدولة” وعزلها عن الفكر الجهادي المتطرف، سابقة ذات تداعيات قانونية وسياسية معقدة في لبنان.
وفي سياق هذه التداعيات، فإن هذا القرار سيطال الأفراد المحكومين أو الذين ينتظرون محاكمتهم أمام المحكمة العسكرية اللبنانية بتهم مرتبطة بالانتماء لهذه الهيئة. فرفع تصنيفها الإرهابي قد يفتح الباب أمام مراجعات قانونية لأحكامهم، أو تخفيف العقوبات المفروضة عليهم، أو حتى إسقاط بعض التهم التي اعتمدت بشكل أساسي على التصنيف السابق.
يضع هذا الوضع القضاء اللبناني أمام معضلة حقيقية. فالسؤال المطروح هو: من سيبادر بمعالجة هذه القضية، وهل ستستجيب المحكمة للمطالبات بتطبيق هذا التغيير؟ من الضروري التوضيح أن هذا الاحتمال يخص فقط من حوكم بتهمة الانتماء إلى هيئة تحرير الشام. أما في حال ثبوت ارتكاب أفعال عنيفة أو المشاركة في قتل عسكريين من الجيش اللبناني، فالأمر يختلف تماماً، وتطبق حينها قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الجنائية بصرف النظر عن تصنيف التنظيم.
يرى المحامي والناشط في مجال حقوق الإنسان، محمد صبلوح في حديث لـ”صوت بيروت انترناشونال” أن هذه التطورات تضع لبنان أمام “معضلة قضائية قد تصل إلى حد المهزلة”. ويشير صبلوح إلى تناقض صارخ في موقف الدولة اللبنانية: “السلطات الدولية التي صنّفت الهيئة إرهابية هي نفسها من أزالتها اليوم. بينما يصر المجتمع الدولي على تصنيف حزب الله إرهابياً، يرفض لبنان هذا التصنيف ويعتبره مقاومة، ما يعرضه للعقوبات. فهل ستتعامل الدولة اللبنانية مع ‘هيئة تحرير الشام’ بالمعيار نفسه، وتنزع صفة الإرهاب عن الذين حوكموا وأوقفوا بناءً على تصنيف زال الآن؟”.
ويضيف صبلوح، في معرض حديثه عن تطبيق القانون المحلي: “في غياب التصنيف الدولي للإرهاب، قد يلجأ لبنان إلى تطبيق قوانينه المحلية، مثل المادة 335 من قانون العقوبات، التي تجرم ‘الانتماء إلى عصابة مسلحة’. كما أن تطبيق المادتين 5 و6 من قانون الإرهاب اللبناني يثير تساؤلات جدية. هذه المواد، التي يفترض أنها تتطلب إثبات اقتناء أسلحة ومتفجرات، قد طبقت على نسبة كبيرة من الموقوفين ‘الإسلاميين’ (لبنانيين وسوريين) رغم أن أكثر من 95% منهم لم يكن بحوزتهم أي سلاح أو متفجرات. الهدف من هذا التوسع في التطبيق كان غالباً تحويل قضاياهم إلى اختصاص القضاء العسكري ‘لتدمير مستقبل هؤلاء الشباب’.”
ويؤكد المحامي صبلوح أنه “يجب على القضاء معالجة هذا الأمر لأن الموقوف بهذه التهمة يحق له طلب إعادة محاكمة أو أي طلب لرفع الظلم عنه. بل يجب على المشرع اللبناني إعداد مشروع قانون لإعادة اعتبار هؤلاء الأفراد وشطب هذه التهم من سجلاتهم العدلية”.
ويستذكر صبلوح ما حدث يوم اتفاق التبادل بين السلطات اللبنانية و”جبهة النصرة” سابقاً، حيث أُخرج أشخاص بحقهم أحكام مبرمة بـ”تحايل قانوني” نظمه اللواء عباس إبراهيم، ألغيت محاكماتهم وأخلوا سبيلهم. ويشير إلى أن “قتلة حقيقيين لعناصر الجيش اللبناني خرجوا بصفقة في حافلات مكيّفة، بينما حوكم لبنانيون وسوريون وفلسطينيون بتهمة الانتماء فقط إلى جبهة النصرة وتراوحت أحكامهم بين 7 و10 سنوات”.
ويختتم صبلوح بأن لبنان اليوم “أمام مأزق وامتحان كبير. فقد تجاوب مع المجتمع الدولي في تصنيفات سابقة، والآن يجب عليه أن يواجه تداعيات إزالة هذه التصنيفات، لاسيما لناحية تجريد آلاف الأشخاص من حقوقهم ومستقبلهم”.