الأحد 21 ذو الحجة 1447 ﻫ - 7 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الميدان الجنوبي المشتعل يفخخ اتفاق واشنطن.. "المناطق التجريبية" على محك التحديد

لا يوحي المشهد الميداني المتفجر في الجنوب اللبناني بأن بنود الاتفاق الذي وُقّع في واشنطن ستسلك طريقها بسلاسة نحو التنفيذ، مع استمرار التصعيد العسكري المتبادل بين “حزب الله” وإسرائيل، الدؤوبة على مسار القضم والإخلاء للقرى اللبنانية، وفق استراتيجية واضحة تقضي بإحكام القبضة على بقع تسمح للجيش الإسرائيلي بالتحكم بكل المفاصل التي كانت تشكل نقطة قوة لـ”حزب الله”، والتي يتمكن من خلالها من تهديد شمال إسرائيل وعمقها من جهة، واستمرار الحزب بقصف الشمال الإسرائيلي وصولاً إلى عمق بعض المناطق، وإن كان ذلك بمقدرات عسكرية لا تتجاوز المسيّرات المفخخة وبعض الصواريخ التي يطلقها من حين إلى آخر.

هذه الوقائع الميدانية المتصاعدة لم يتمكن الاتفاق من تخفيض حدتها، وهو لا يزال على محك التنفيذ، رغم العقبات التي تعترضه على صعيد المواقف. وقد برز الموقف الاستثنائي للرئيس جوزاف عون، الذي أظهر تحولاً نوعياً في لغة الدولة تجاه الأزمة، حيث تناول في مقابلته المتلفزة نقطتين أساسيتين.

الأولى ترتبط بـ”حزب الله”، إذ وجّه فيها، بشكل مباشر، إلى أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم دعوة لحسم مصير الشعب اللبناني، الذي ليس تحت سيطرة “حزب الله”، أو بمعنى آخر ليس “شعب قاسم”. أما النقطة الثانية، والأكثر حدة، فتمثلت في حسم الموقف تجاه إيران ومنعها من التدخل في الشأن اللبناني، وهو موقف كسر حالة المهادنة السابقة، واضعاً النقاط على الحروف في ما يتعلق بالتدخل الإيراني.

إلا أن نظام “الولي الفقيه” ما زال يصر على إبراز وصايته على لبنان، من خلال الكلام الذي توجه به وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الرئيس عون، حيث عبّر علانية عن رفض بلاده لهذا الاتفاق، مؤكداً أن “لبنان ليس ورقة مساومة في صراعات الإقليم”، ومطالباً الرئيس عون بـ”إنقاذ لبنان من عدوه الحقيقي”، في إشارة واضحة ومباشرة إلى إسرائيل.

ثغرة “المناطق التجريبية”

هذا العائق، الذي يشكل تحدياً للدولة اللبنانية، كون “حزب الله” ما زال تحت الرعاية الإيرانية وملتزماً بما تقرره طهران لتسهيل مسارها التفاوضي مع الولايات المتحدة من خلال استغلال الميدان اللبناني، يواجه معضلة أخرى وردت في متن الاتفاق ترتبط بـ”المناطق التجريبية” في حال وضع الاتفاق على سكة التنفيذ.

هذه المناطق تشكل عقدة أساسية، وفق أحد المحللين العسكريين الذي تحدث إلى “صوت بيروت إنترناشونال”، حيث اعتبر أن هناك تساؤلات جوهرية حول الآلية التنفيذية والجهة المنوط بها تسمية هذه المناطق وتحديد نطاقها. فالنص جاء غير واضح تجاه هذه النقطة، ولم يضع توضيحات للضوابط والمعايير التي ستحكم هذا البند، ما يحوله إلى لغم سياسي قد تستغله إسرائيل لتوسيع نطاق إحكام قبضتها على بلدات وقرى لها رمزيتها، تحت ذريعة الاختبار الميداني.

ويكتسب هذا الأمر أهمية بالغة بالنسبة إلى الاستراتيجية الإسرائيلية، بعد التوغل في عمق جغرافية الجنوب، ما يمنحها مكاسب معنوية وسياسية بارزة، كما هو الحال عندما أحكمت سيطرتها مؤخراً على قلعة الشقيف.

قضم إسرائيلي مستمر

في مقابل هذا الغموض الدبلوماسي الذي يلف الاتفاق، يواصل الجيش الإسرائيلي ميدانياً استراتيجيته القائمة على قضم وحصار المناطق، ولا سيما تلك التي تشكل رمزية معنوية وعسكرية لـ”حزب الله”. فالغارات الإسرائيلية العنيفة، التي تترافق مع أوامر الإخلاء القسرية، ليست مجرد عمليات قتالية عابرة، بل هي تمهيد مبرمج لابتلاع مستمر وممنهج.

ويبدو، من خلال القرى التي تستهدفها العمليات، أن إسرائيل لا تكتفي بقضم متقدم، بل تسعى إلى تنفيذ استراتيجية شاملة تركز على ربط بعض القرى الجنوبية وقرى إقليم التفاح بالبقاع الغربي، وهي المنطقة التي تعتبرها إسرائيل الشريان الحيوي الذي يربط الجنوب بالعمق الاستراتيجي لـ”حزب الله”، وصولاً إلى البقاع الشمالي الذي يعد خزان الحزب العسكري ومستودع أسلحته وعتاده الاستراتيجي.

وتسعى إسرائيل، من خلال التركيز على هذا المحور، إلى قطع خطوط الإمداد والتواصل، بهدف تقطيع الجبهة وعزل أجزائها عن بعضها البعض، مستغلة المرتفعات في إقليم التفاح والبقاع الغربي لتأمين حرية رصد ميداني وناري تسمح لها بالالتفاف وتجاوز العقبات التي واجهتها في محاور مثل الخيام وبنت جبيل، وهي بذلك تستكمل مخططها ومسارها الثابت للوصول إلى البقاع.

وعلى المقلب الإسرائيلي، يبدو أن الموقف الإسرائيلي يميل إلى عدم الالتزام الفعلي بالاتفاق، رغم التوقيع الرسمي عليه. وقد ظهر ذلك جلياً من خلال موقف وزارة الخارجية الإسرائيلية، التي أكدت التزام إسرائيل به، مشروطاً بـ”حقها في الدفاع عن مواطنيها ضد أي هجمات من حزب الله أو أي جهة أخرى”.

في المقابل، شدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس على مواصلة العمليات العسكرية، وتُوّجت هذه المواقف بما تم تداوله عن موقف لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يؤكد أن “إسرائيل لن تقبل بأي صيغة تحد من حرية عمل جيشها، وأن أمن الحدود الشمالية أولوية قصوى لن يُساوَم عليها”.

هذه المعطيات تؤشر إلى مرحلة ضبابية ومراوحة سياسية وميدانية تنتظر الترجمة على الأرض، وهو ما يضع الاتفاق على المحك، بانتظار وضع إطار محدد لـ”المناطق التجريبية”، التي قد تشكل بداية طريق لاختبار الدولة في مواجهة نزع سلاح “حزب الله” فعلياً، بعد التجربة السابقة لخطة الجيش اللبناني التي أثبتت أنها لم تكن ناجحة.

فهل سيشكل الاتفاق بداية جديدة لمرحلة نزع السلاح، أم أن الميدان المشتعل سيسبقه؟