
الجيش اللبناني في جنوب لبنان
يعيش لبنان اليوم في قلب العاصفة المشتعلة بين واشنطن وطهران حيث لم يعد ملف “حزب الله” شأنا محليا بل بات رسميا نقطة صدام إقليمية كبرى ضمن الشروط الأمريكية المفروضة على طهران. هذا الواقع أكدته التصريحات الأخيرة للأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم الذي أعلن بوضوح أن الحزب سيقف الى جانب إيران ويدعمها في حال تعرضت لضربة أمريكية. هذا الربط المباشر بين الجبهة اللبنانية والمصالح الإيرانية وضع المؤسسة العسكرية اللبنانية بقيادة العماد رودولف هيكل أمام ضغوط دولية غير مسبوقة. وجعل من شريان الدعم العسكري للجيش مهددا أكثر من أي وقت مضى.
وبحسب ما نقلته مصادر متابعة تحدثت لموقع “صوت بيروت إنترناشونال” فإن العلاقة التي بدأت كشراكة استراتيجية متينة بين الجيش والجانب الأمريكي تمر حاليا بمنعطف حاد نتيجة اختلاف الرؤى حول التعامل مع هذا الواقع المعقد. وتعود جذور هذا التوتر الى تسريبات عن لقاءات جرت في ربيع عام 2025 بين العماد هيكل والمبعوثة الأمريكية الخاصة مورغان أورتاغوس حيث ضغطت الأخيرة باتجاه دور عسكري أكثر صداما للجيش في منطقة شمال الليطاني لمواجهة سلاح “حزب الله”. إلا أن هيكل تمسك حينها بحساسية التوازنات الوطنية مما أدى إلى انتهاء اللقاء بشكل مفاجئ وكشف عن فجوة عميقة في الحسابات بين الطرفين. والوقائع المتسارعة تشير الى أن هذا التباين اتخذ طابعا رسميا في تشرين الثاني 2025 حين ألغيت زيارة كانت مقررة للعماد هيكل إلى الولايات المتحدة…
صدام المواقف في اليرزة
وجاء الإلغاء نتيجة استياء واشنطن من لغة بيانات الجيش التي ركزت على الانتهاكات الإسرائيلية دون التطرق لأنشطة “حزب الله” وهو ما اعتبره أعضاء في الكونغرس الأمريكي موقفا يحتاج الى مراجعة شاملة لجدوى المساعدات. ومع حلول شباط 2026 وصلت الأمور الى ذروة الصدام في اللقاء الذي جمع هيكل بعضو مجلس الشيوخ الأمريكي البارز عن الحزب الجمهوري ليندسي غراهام يوم أمس.
وخلال الاجتماع سأل غراهام بشكل مباشر عن موقف القيادة العسكرية من تصنيف “حزب الله” كمنظمة إرهابية ليأتي رد هيكل بأن الحزب ليس كذلك ضمن السياق اللبناني. هذا الرد دفع غراهام لإنهاء اللقاء فورا وعبر عن غضبه في منشور نقله عبر حسابه الرسمي في منصة “اكس”… حيث قال غراهام في منشوره “لقد عقدت للتو اجتماعا وجيزا جدا مع قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل. سألته بشكل مباشر وصريح عما إذا كان يعتقد أن حزب الله منظمة إرهابية فأجاب: لا ليس في السياق اللبناني. وعند هذا الحد أنهيت الاجتماع. إنهم بوضوح منظمة إرهابية فأيدي حزب الله ملطخة بدماء أمريكية واسألوا مشاة البحرية الأمريكية المارينز عن ذلك. لقد صُنفت كمنظمة إرهابية أجنبية من قبل الإدارات الجمهورية والديمقراطية على حد سواء منذ عام 1997 وذلك لسبب وجيه. وطالما أن هذا الموقف موجود لدى القوات المسلحة اللبنانية فلا أعتقد أن لدينا شريكا موثوقا فيهم. لقد سئمت من ازدواجية المعايير واللغة المزدوجة في الشرق الأوسط فالكثير من الأمور باتت على المحك”.
ثبات المؤسسة وسط الضغوط
وأمام هذا الانسداد مع واشنطن التي تلوح بقطع مساعدات تبلغ حوالي 150 مليون دولار سنويا تتجه الأنظار نحو التحركات الدبلوماسية المكثفة ومنها زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو المقررة لبيروت. ورغم تفاوت حجم المساعدات الدولية مقارنة بالدعم الأمريكي الضخم إلا أن المؤسسة العسكرية اللبنانية تبقى هي الضمانة الأساسية لحماية الاستقرار الداخلي، ويبقى الرهان الحقيقي اليوم على قدرة قيادة الجيش في الحفاظ على وحدة المؤسسة وجهوزيتها وتماسكها المعهود لتجاوز هذه العواصف السياسية العاتية وحماية السيادة الوطنية من أي تداعيات إقليمية مدمرة.