
رئيس الحكومة نواف سلام خلال لقائه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن
يظل السؤال الأساسي المطروح يدور حول مستقبل الجنوب ولبنان بأكمله، الذي يعيش في ضبابية تامة حيال مصيره، في ظل الاستهدافات الإسرائيلية وعدم تطبيق المقررات التي أخذتها الدولة اللبنانية على عاتقها عندما أقرت “بألا سلاح خارج مؤسسات الدولة”. وعلى الرغم من اتخاذ قرار بالجلوس إلى طاولة المفاوضات برعاية وضغط من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سيبقى المشهد غامضاً وغير واضح المعالم بعد سلسلة من الجلسات التفاوضية التي توقفت في روما.
الموعد المقرر لجلسة تفاوضية جديدة حدد في تامبا بولاية فلوريدا، والجميع يأمل أن تنعقد وألا تؤجل، كون المراقبين يتخوفون من ضغط عسكري إسرائيلي كبير يسبق هذه الجولة التي لم تصل بعد إلى المرتجى منها. وفي قراءة تحليلية لهذا المشهد، تحدث المفكر والباحث السياسي الدكتور روبرت رابيل لموقع “صوت بيروت إنترناشونال” عن مآلات التحركات الأميركية للدفع باتجاه إنتاج اتفاق يترجم فعلياً على أرض الواقع.
استهل الدكتور رابيل حديثه بالإشارة إلى الاجتماع الأخير للمتفاوضين في روما الذي لم يكن إيجابياً، لافتاً إلى أن الضغوط تمارس اليوم لعقد الجولة الجديدة في العشرين من الشهر الجاري بعد فشل الجولة الأخيرة في تحقيق أي اختراق ملموس.
ويضيف رابيل…”حالياً، اللبنانيون يتحدثون مع الأميركيين، لكننا نريد أن نرى الإسرائيليين. الإسرائيليون ليسوا مرتاحين لهذه الحالة، وهم يحضرون للانتخابات”. وعلى الرغم من إقراره بأن الاجتماع المقبل سيعقد غالباً ، لا سيما في ظل رغبة الرئيس دونالد ترامب في إظهار تقدم سياسي ودبلوماسي ، إلا أنه يبدي حذراً بالغاً حيال نتائجه، معرباً عن خشيته من لجوء الجانب الإسرائيلي إلى خطوات تصعيدية إضافية، ومؤكداً أنه ليس متفائلاً كلياً بإمكانية الوصول إلى نتيجة ملموسة أو تحسن الأوضاع.
ويوضح رابيل أن هذا الجمود مرتبط بالحسابات الانتخابية الإسرائيلية ومساعي القيادة لإظهار القوة، مشيراً إلى أن الدولة اللبنانية تتواصل حالياً محذرة من تقدم الإسرائيليين أكثر من “الخط الأصفر”، بينما تتذرع إسرائيل بالعمليات الميدانية في مناطق مثل إقليم التفاح، ليبقى الوضع على الأرض متحركاً وغير ثابت.
وعن تفاصيل الأجندة المطروحة ، يؤكد رابيل أن الأمور لا تعرف بشكل دقيق بعد، فاللبنانيون يريدون إدخال الجيش ووضع ترتيبات تقنية لذلك، لكن مدى قبول إسرائيل بها يبقى مسألة متغيرة ستتضح خلال الأيام المقبلة. ويكشف الدكتور رابيل عن طبيعة صلاته الوثيقة بحكم وجوده الأكاديمي في فلوريدا بشخصيات إسرائيلية رفيعة المستوى خدمت سابقاً في الجيش وأجهزة المخابرات، وهي تشكل حلقة وصل مع الأطراف والدولة الإسرائيلية. وشدد على أن الأميركيين ليسوا بحاجة لمعلومات تستقى من اللبنانيين لأنهم على علم بكل المجريات في الداخل، قائلًا…”نحن نعرف كل شيء”… وأوضح أن اللبنانيين يسعون لانتشار الجيش لمنع القوات الإسرائيلية من تجاوز “الخط الأصفر” في المرحلة الحالية، مبيناً أن المؤسسة العسكرية اللبنانية تحظى باحترام بالغ في دوائر واشنطن، في حين أن الجانب الإسرائيلي لم يقدم رداً بعد وبقيت الأمور معلقة، وسط مساعٍ حثيثة للدولة اللبنانية لمنع التوسع والضربات وإبراز جاهزية الجيش.
وفي قراءته للرؤية الأميركية للملف اللبناني، يلفت رابيل الانتباه إلى رغبة الإدارة في إظهار الاهتمام بلبنان، محذراً من أن هذا الاهتمام قد يتراجع بعد بضعة أشهر، ولذلك يجب على اللبنانيين إبداء الجدية والاستعداد لمواجهة “حزب الله” وعدم التراجع خوفاً. ويرى أن الهدف الاستراتيجي لإسرائيل في الشمال يظل مرتبطاً بإنهاء الحزب بغض النظر عن مسار الملف الإيراني، مؤكداً أنه “مهما حصل في الملف الإيراني، فإسرائيل في النهاية تريد أن تؤمن شمالها”. أما عن اللقاءات التي جمعت المسؤولين اللبنانيين بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، فيوضح رابيل أن واشنطن وتل أبيب تدركان تفاصيل المشهد وتمتلكان شبكة معارف واسعة، وأن وجود شخصيات تقنية وسياسية مقبولة في مسار المفاوضات يعد أمراً مهماً، بالتوازي مع حراك قوى سياسية أخرى.
ويعيد الدكتور رابيل التأكيد على أن اهتمام إدارة ترامب بلبنان سيظل محكوماً بما سيفعله اللبنانيون والجيش على الأرض قبل أن تمارس واشنطن ضغوطها بالكامل، لا سيما أن ما اتفق عليه لناحية المناطق التجريبية لم يثمر نتائج واضحة. ويرى رابيل أنه إذا لم يجر كلام جدي ومحدد يوصل إلى نتيجة، فإن الجولة ستكون إما مجرد “فنجان قهوة” سريع أو لن يعقد الاجتماع من أساسه، إذ لا بد من حجر أساس حقيقي نمضي قدماً بناءً عليه، وإلا سنبقى ندور فيالدائرة نفسها.