الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

بين منطق الدولة ومنطق القوة.. هل تنجح الحكومة في اختبار السيادة؟

في لحظة سياسية وأمنية مشتعلة، يجد لبنان نفسه أمام اختبار سيادي غير مسبوق. فبين حكومة تسعى لترسيخ سلطة الدولة، وتحالف الثنائي الشيعي الذي يلوّح بـ”الميثاقية” كدرع سياسي، تتجه الأنظار إلى جلسة مجلس الوزراء التي قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة: هل ستنتصر الدولة بمنطق المؤسسات، أم سيُفرض منطق القوة على حساب السيادة؟

على وقع التصعيد الإسرائيلي المستمر في الجنوب، يقف لبنان اليوم أمام منعطف تاريخي لا يحتمل التأجيل. يتجاوز ملف سلاح حزب الله التحديات السياسية التقليدية ليضع البلاد أمام مصير مجهول. فالحزب يرفض تسليم سلاحه أو حتى مناقشة مهلة زمنية لذلك، ما يعكس واقعًا خطيرًا بات فيه هذا السلاح خارج سيطرة الدولة وخارج أي نقاش وطني شامل.

تحمل جلسة مجلس الوزراء المرتقبة، وإن بدت تقنية في ظاهرها، أبعادًا سياسية وأمنية بالغة التعقيد. فخطة الجيش اللبناني، وفق ما تُشير إليه التسريبات، لا تتضمن بنودًا قد تؤدي إلى صدام داخلي، ولن تضع مهلاً زمنية لتنفيذها، باعتبار أن القرار سياسي بامتياز. تشير المعطيات إلى أن المرحلة الأولى ستركز على وضع خطة تنفيذية بمراحل غير مرتبطة بتواريخ محددة، مع عرض المعوقات التي تبدأ من نقص العتاد والعديد، وصولًا إلى وجود قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، ما يجعل الصدام مع العدو هو الأولوية، وليس مع أي طرف داخلي.

مواقف متناقضة: بين الحوار والميثاقية
في هذا السياق، جاء موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي أكد في كلمة ألقاها أن الحوار هو السبيل الوحيد لتجاوز الانقسامات، وأن لا تناقض بين الدولة والمقاومة، بل تكامل في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية. شدّد بري على أن المقاومة ضرورة وطنية لحماية السيادة، وأن أي معالجة لهذا الملف يجب أن تتم ضمن توافق وطني لا يُقصي أحدًا.

لاحقًا، صدر بيان كتلة “الوفاء للمقاومة”، ليُترجم هذا التوجه ضمن موقف برلماني واضح قبيل جلسة مجلس الوزراء. فقد أكد البيان رفض أي مقاربة حكومية تمس بسلاح المقاومة، معتبرًا أن القرار المطروح لا ينسجم مع الميثاق الوطني، ويهدد التفاهمات التي أرستها مرحلة ما بعد الطائف.

وعلى الرغم من تمسّك الثنائي الشيعي بـ”الغياب الميثاقي” لتبرير رفضه مناقشة خطة الجيش، إلا أن هذا الطرح لا يجد له سندًا دستوريًا واضحًا. فالمادة 65 من الدستور اللبناني، التي تُعد المرجعية الأساسية لآلية اتخاذ القرار داخل مجلس الوزراء، تنص صراحة على أن القرارات تُتخذ توافقيًا، وفي حال تعذّر ذلك، يُلجأ إلى التصويت بأكثرية الحضور، باستثناء المواضيع الأساسية التي تتطلب موافقة ثلثي أعضاء الحكومة. وبالتالي، لا يمكن اعتبار غياب طرف سياسي سببًا كافيًا لتعطيل القرار، ما يجعل الحديث عن “الميثاقية” في هذا السياق أقرب إلى ذريعة سياسية منها إلى موقف دستوري.

حذر حكومي وعسكري وتحركات أمريكية
في المقابل، يحرص رئيس الحكومة نواف سلام على تأكيد أن خطة الجيش لا تستهدف أي مكون لبناني، بل تسعى إلى تعزيز سلطة الدولة ضمن رؤية وطنية شاملة. وهو ما عبّر عنه خلال لقائه الأخير مع الوفد الأميركي، مشددًا على أن الحكومة لن تنخرط في أي مواجهة داخلية، بل تسعى إلى حماية وحدة البلاد.

أما الجيش اللبناني، فيلتزم الصمت الرسمي، مكتفيًا بعرض خطته التقنية، وسط تسريبات تفيد بأن القيادة العسكرية ترفض الزج بها في أي مواجهة داخلية، وتُفضل أن تبقى المؤسسة فوق التجاذبات السياسية. قائد الجيش العماد رودولف هيكل ألمح في لقاءات مغلقة إلى أن الجيش لن يكون أداة لتنفيذ قرارات غير متوافق عليها وطنيًا، ما يعكس حجم الحذر داخل المؤسسة العسكرية.

وفي موازاة ذلك، تبرز التحركات الأميركية كعامل ضاغط ومثير للتساؤلات. زيارة نائبة المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، برفقة قائد القيادة المركزية الأميركية الجديد، الأدميرال براد كوبر، تأتي في لحظة إقليمية دقيقة، وتسلّط الضوء على توجه أميركي نحو دعم الجيش اللبناني، مع التركيز على ملفات أمنية حساسة. كما أن هذه التحركات قد تعكس رسالة تحذيرية، حيث سبق للسيناتور الأميركي ليندسي غراهام أن أشار إلى وجود “الخطة ب” في حال فشل الحلول السلمية، والتي فسّرت على أنها تعني نزع السلاح بالقوة.

تساؤلات مفتوحة على كل الاحتمالات
بين احتمالات التصعيد أو التهدئة، تبقى جلسة مجلس الوزراء محطة مصيرية، تختبر قدرة الحكومة على التوفيق بين منطق الدولة ومنطق القوة، في لحظة لا تحتمل التردد أو الانقسام. يترقب الجميع قرار الثنائي الشيعي: هل سيختار عدم المشاركة في الجلسة، أم سيفاجئ الجميع بقراره بالمشاركة ثم ينسحب عند مناقشة خطة الجيش؟

إن هذا الموقف سيعكس مسار الأزمة ويحدد ما إذا كان لبنان سيتمكن من إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمقاومة، أم أنه مقبل على كارثة وطنية مفتوحة على كل الاحتمالات.