
الولايات المتحدة - لبنان
في لحظة لم تُعلن رسميًا، هبطت طائرة أمريكية متقدمة في مطار رياق. لم يكن الحدث مجرد حركة لوجستية عابرة، بل كان بمثابة إشارة أولى على أن شيئًا ما يتغير في قواعد الاشتباك داخل لبنان. لم تعد واشنطن تكتفي بالدعم العسكري التقليدي، ولم تعد زيارات مسؤوليها تقتصر على التصريحات الدبلوماسية. هناك ما يشبه إعادة تموضع، أو ربما إعادة تعريف لدورها الأمني في بلد تتقاطع فيه خطوط التهريب، والنفوذ المسلح، والرسائل الجيوسياسية المشفّرة.
من بعلبك إلى الجنوب، ومن الطائرات المسيّرة إلى الورقة الأمنية التي حملها المبعوث الأمريكي، تتكشف ملامح فصل جديد في العلاقة بين بيروت وواشنطن. فصل لا يُكتب بالحبر فقط، بل يُرسم على الأرض، في الميدان، وفي غرف العمليات.
من الدعم إلى الانخراط: مؤشرات ميدانية واضحة
لطالما ارتكز التعاون بين لبنان والولايات المتحدة على الدعم العسكري التقليدي، لكن شهري آب وأيلول 2025 شهدا تحولًا جذريًا. لم يعد الحضور يقتصر على التدريب أو المساعدات اللوجستية، بل بات يتخذ شكلًا ميدانيًا مباشرًا، يعكس رغبة في إعادة هندسة المشهد الأمني اللبناني ضمن استراتيجية إقليمية أوسع.
أبرز هذه المؤشرات كان وصول طائرة MQ-9 Reaper، المعروفة بقدراتها الاستخباراتية والهجومية، إلى مطار رياق. وجودها تحت إشراف مباشر، دون تسليمها للجيش اللبناني، شكّل نقطة تحول في طبيعة الانخراط الأمني. هذا الحدث تزامن مع زيارات ميدانية لافتة، أبرزها زيارة المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية مورغان أورتاغوس وقائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) إلى الجنوب اللبناني. هذه الزيارات، التي شملت مناطق حساسة، حملت رسائل سياسية واضحة، خصوصًا في ظل تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول سلاح حزب الله، والتي حملت تهديدًا مبطنًا بتغيير قواعد الاشتباك.
المخدرات كمدخل للتحولات الجيوسياسية
في 6 آب، نفذ الجيش اللبناني عملية نوعية في بعلبك، استهدفت مصنعًا للكبتاغون وقتلت المطلوب علي منذر زعيتر المعروف بـ”أبو سلّة”. رغم غياب الإعلان الرسمي، تشير مصادر أمنية إلى دعم استخباراتي وتقني لهذه العملية، ضمن استراتيجية مشتركة لتجفيف منابع تمويل الجماعات المسلحة عبر تجارة المخدرات.
وفي الوقت الذي كانت فيه هذه العملية حديث الساعة، شهدت السلسلة الشرقية اللبنانية عمليات استهداف جوي متكررة لمواقع يُشتبه باستخدامها لتخزين الأسلحة أو المخدرات. ورغم أن الضربات لم تُعلن رسميًا، إلا أن مصادر أمنية ترجّح وجود تنسيق غير معلن، ما يضع لبنان في قلب صراع استخباراتي متعدد الأطراف، تتداخل فيه مصالح واشنطن، تل أبيب، وطهران.
تداخل المصالح: بين الحاجة المحلية والاستراتيجية الإقليمية
من الواضح أن هناك تداخلاً في المصالح، حيث تلتقي الحاجة الأمنية اللبنانية مع الأهداف الجيوسياسية. فواشنطن لا تنظر إلى لبنان فقط كحليف محتمل، بل كساحة عمليات استخباراتية يمكن من خلالها مراقبة الحدود، مكافحة شبكات التهريب، والتأثير على موازين القوى الإقليمية.
هذا الانخراط الجديد يعزز من قدرات الجيش اللبناني في مواجهة الشبكات الإجرامية، لكنه في الوقت نفسه يعكس تحولًا في طبيعة العلاقة، من شراكة دعم إلى شراكة تنفيذ.
ما يجري في لبنان لا يمكن اختزاله في إطار التعاون الأمني الموسّع، بل يبدو أقرب إلى إعادة هندسة للمشهد الأمني، حيث تُستخدم ملفات محلية كمدخل لتغييرات جيوسياسية أوسع. بين الطائرات المسيّرة والرسائل المشفّرة، وبين ضربات بعلبك والسلسلة الشرقية، يبدو أن لبنان دخل مرحلة جديدة من التداخل الأمني الدولي، تتطلب قراءة دقيقة لمآلاتها وتداعياتها على مستقبل القرار العسكري والسياسي في البلاد.