
نزوح من الجنوب اللبناني
تسبب قرار “حزب الله” بربط جبهة الجنوب بساحة غزة تحت مسمى “جبهة الإسناد” في إدخال لبنان في مواجهة عسكرية واسعة أدت إلى تعطيل المسارات السياسية والوصول إلى طريق مسدود لا يخدم المصالح اللبنانية.
واليوم ومع بدء ترتيبات دولية جديدة في غزة تحت رعاية “مجلس السلام” الذي أسسته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة الإعمار، يواجه لبنان تداعيات انخراطه في المحور الإيراني الذي يعاني من تصدعات كبيرة، خاصة بعد اغتيال المرشد علي خامنئي وهذا التوجه لم يكن سريًا بل أعلنه “حزب الله” بوضوح وهو مستمر في ممارسته رغم الدمار الواسع الذي طال مختلف المناطق اللبنانية، ما جعل الساحة المحلية مكشوفة تمامًا أمام الحسابات الإقليمية في مرحلة تتسم بالتشدد العسكري، وهو ما أكد عليه أمين عام “حزب الله” نعيم قاسم في خطابه الأخير ليلة البارحة.
لقد أوضح قاسم أن المواجهة انتقلت إلى مرحلة مفصلية ووصفها بأنها “دفاع وجودي” يهدف لتحقيق غايات الحزب، مؤكدًا الاستمرار في العمليات العسكرية حتى النهاية وعدم القبول بخيار الاستسلام… وفي نقد مباشر للأداء الرسمي اعتبر قاسم أنه بدل أن تتصدى الحكومة اللبنانية لإدانة العدوان وتبحث عن سبل المواجهة اتجهت إلى المقاومة لتكمل خطيئتها وتتماهى مع المطالب الخارجية… معتبرًا أن السياسات التي اتبعتها في شهر آب الماضي أضعفت الموقف الرسمي ومنحت غطاء لتحركات الخصم، وتساءل بوضوح عن دور الحكومة اللبنانية في هذه المرحلة… وحسم قاسم الجدل حول الترسانة العسكرية للحزب معتبرًا أن سلاح المقاومة ليس موضوعًا للنقاش، محذرًا من أن أي تماهي مع المطالب الخارجية يُعتبر تهديدًا للاستقرار الداخلي وسوف يؤدي إلى نتائج سلبية على الجميع.
مصير الجنوب
أدت هذه المعطيات الميدانية والسياسية إلى تصاعد الضغوط الدولية، حيث حذر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من تدهور الوضع الأمني في لبنان داعيًا الرعايا الأمريكيين للمغادرة فورًا، بينما أشار وزير الحرب بيت هيغسيث إلى تسارع العمليات العسكرية واعتبار الساحة اللبنانية جزءًا من المواجهة الإقليمية… وفي السياق نفسه شدد السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام على ضرورة تغيير الواقع الأمني في جنوب الليطاني لضمان أمن الحدود، داعيًا إلى إنهاء نفوذ الحزب هناك ووضع لبنان ضمن دائرة الاستهداف العسكري ردًا على أي تحركات إيرانية.
وعلى المستوى الميداني بلغت الأمور مرحلة حرجة مع صدور أوامر الإخلاء الشامل للمناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني… ففي ثالث إنذار رسمي خلال أيام قليلة طالب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي سكان الجنوب بالانتقال الفوري إلى شمال نهر الليطاني في إجراء شمل مدينتي صور وبنت جبيل بشكل كامل. ويعكس تكرار هذه التنبيهات خطة تهدف إلى تفريغ مساحات جغرافية واسعة وتحويلها إلى مناطق عسكرية مغلقة، حيث يُمنع أي تواجد مدني جنوب النهر، ما يضع السكان أمام واقع النزوح القسري بعيدًا عن مناطقهم الأصلية.
وفي ظل هذا الفراغ الميداني تعود بنا المواقف والأحداث لتربط الواقع الحالي بما كشفت عنه تقارير صحفية في صيف 2025 استنادًا إلى مصادر لموقع “أكسيوس” حول ملامح خطة إدارة ترامب لإعادة رسم الواقع في الجنوب حيث تبرز في قلب هذه الخطة فكرة إنشاء ما يسمى بـ “منطقة ترامب الاقتصادية” في أجزاء من الجنوب القريبة من الحدود، وهي مبادرة تدمج بين المتطلبات الأمنية والخطط التنموية، حيث من المقرر أن تشارك قوى إقليمية في تمويل عمليات إعادة الإعمار والاستثمار في هذه المنطقة…
اليوم يجد لبنان نفسه أمام منعطف حاسم مع تراجع القدرة على اتخاذ قرارات سيادية، ما يضع الجنوب أمام خيارات صعبة تتراوح بين إخلاء الأرض أو الاندماج في المشاريع الدولية المقترحة.