
انتشار الجيش في أعقاب معركة عبرا (أرشيفية)
لم تكن أحداث 25 أيار 2013 مجرد إشكال عابر في منطقة عبرا، بل كانت المحطة التي كشفت عن حجم الاحتقان الأمني وغياب التوازن الذي سبق الانفجار الكبير بشهر واحد. واليوم، ومع عودة هذا الملف إلى واجهة محكمة الجنايات في بيروت، برز توصيف قضائي لافت للهيئة الاتهامية برئاسة القاضي ماهر شعيتو، اعتبر فيه أن تلك الأحداث كانت “وليدة لحظتها” ونتيجة حالة من الحقد المتبادل، وليست مشروعاً مخططاً له مسبقاً. وقد حمل هذا القرار انتقاداً لاذعاً للتحقيقات الأولية التي افتقرت لأبسط المقومات الفنية، مما أدى إلى تخلية سبيل بلال الحلبي ومحاكمته حراً، ومنع المحاكمة عن ناصر حنينة لعدم كفاية الدليل، في حين تقرر إيجاب محاكمة أحمد الأسير وفضل شاكر بتهمة محاولة القتل.
تأسيس “المقاومة الحرة”
في إفادته أمام المحكمة، رسم فادي البيروتي صورة للواقع الميداني الذي دفعه لتأسيس “كتائب المقاومة الحرة” بعد مقتل مرافقه “لبنان العزي” في وضح النهار بصيدا. وأكد البيروتي أن هذا التشكيل، الذي وصل عدد عناصره إلى 500 عنصر، لم يكن سرياً، بل جرى إبلاغ رئيس الحكومة آنذاك نجيب ميقاتي ببرقيات رسمية، وكذلك وزير الداخلية، لتوفير ضمانة أمنية في ظل تقاعس الأجهزة عن حماية أتباعه من التعديات والاستفزازات المتكررة.
وكشف البيروتي خلال الاستجواب عن وجود خلافات حادة بينه وبين الشيخ أحمد الأسير في تلك الفترة، موضحاً أن سبب الخلاف هو عدم التزام بعض أعضاء المجموعة بأوامر الأسير وصدور تصرفات “سيئة” منهم تجاه عناصر الشيخ. وأشار إلى أن الأسير طلب منه عدة مرات إبعاد هؤلاء العناصر، إلا أنه لم يفعل، مما أدى لتطور الاحتكاكات والمشاكل الإضافية. وبناءً عليه، تم الاتفاق الضمني بينهما على أن ينفذ كل طرف مهامه في “أرضه” وينتظر باقي الاتفاق، لكن تسارع الأحداث فاجأ الجميع.
بدوره، أيّد الشيخ أحمد الأسير في جلسة لاحقة أمام محكمة الجنايات برئاسة القاضي بلال ضناوي إفاداته، معترفاً بتأسيس “كتائب المقاومة الحرّة” (نحو 200 عنصر)، مبرراً ذلك بتقاعس الدولة عن حمايته وبسلسلة اعتداءات “سرايا المقاومة”. وأشار الأسير إلى أنه أبلغ مسؤولين رسميين بقراره، مؤكداً تفهمهم للظروف الأمنية، كما نفى وجوده في موقع الحادثة التي ادعى فيها هلال حمود بمحاولة قتله.
كواليس الاتصالات الأمنية
الاستجواب أظهر تفصيلاً دقيقاً لحركة الاتصالات، إذ أفاد البيروتي بأنه استيقظ على صوت الرصاص وبادر فوراً بالاتصال بمدير مكتب الشيخ أحمد الحريري، وبالعميد عبد الله (مدير منطقة الجنوب آنذاك) الذي أبلغه بوجود إشكال بين “فضل” وعناصر من الجيش وطلب منه التهدئة. كما كشف عن تواصله مع مديرية المخابرات وضباط في قيادة الجيش اللبناني لتجنب وقوع صدام مسلح، موضحاً أن التنسيق مع وزير العدل حينها تم عبر مدير مكتب الشيخ لاحتواء الموقف.
من جهته، نفى الفنان فضل شاكر امتلاكه أي فصيل مسلح، مؤكداً أن مجموعته لم تتعد 12 حارساً بإدارة شقيقه لحمايته الشخصية بعد تهديدات أدت لإحراق منزله وخسارته مليون دولار. واتهم شاكر المدعي هلال حمود بـ “ابتزازه مالياً” للتراجع عن الدعوى، مشدداً على أنه لم يشارك في أي عمل عسكري وكان يستعد لتسليم سلاح حراسه للجيش قبيل أحداث عبرا.
وحول إشكال عبرا، أوضح البيروتي أن أقرباء فضل شاكر هم من تعرضوا لإطلاق نار ولجأوا إلى منزل أهله، ثم انسحبوا بناءً على تعليمات فضل الذي كان ينسق كشخصية مستقلة. ورد البيروتي على شهادة “بلال حلاق” الذي ادعى رؤية مسلحين، واصفاً إياها بأنها “ناجمة عن حقد”، ومؤكداً التزامه بهيبة الدولة رغم تقاعسها.
وفي ختام الجلسات، طرح وكيل الشيخ أحمد الأسير المحامي محمد صبلوح أسئلة جوهرية شككت في الروايات المسندة لموكليه، متسائلاً عن كيفية خروج المدعي من “المئذنة” والمدة الزمنية للوصول إليها، كما سأل بوضوح عن مصير عشرات الشكاوى التي قدمها الأسير ضد التعديات والإشغالات التي تعرض لها قبل المعركة، والتي لم يحرّك القضاء تجاهها ساكناً. وقد قررت المحكمة تأجيل المتابعة إلى 6 شباط المقبل لاستكمال المرافعات، لتنتهي فصول هذا الملف بانتظار ما ستكشفه المحاكمات الكبرى في ملف عبرا الأساسي.