بينما كان الجميع يظن أن أمن الضاحية الجنوبية محصن بجدران الخرسانة والهندسة الإيرانية المعقدة، كان “العقل الجهنمي” للموساد وبالتعاون مع الاستخبارات الأمريكية قد استوطن الأنفاق قبل الطائرات. لم تكن الحمم هي الخطر الأكبر، بل كان ذلك الخبير الذي خرج بخرائط التهوية ليقايض الأمان بالخيانة… من صفقة “البايجر” المريبة في بلغاريا إلى شوارع الروشة المكشوفة، نسرد لكم كواليس الاختراق الذي جعل الحزب “يا غافل إلك الله” في أخطر معارك العصر.
نعود من بروكسل إلى الضاحية الجنوبية وإلى أنفاقها، حيث القيادات تجتمع، تنتقل، وتداوم في مكاتبها تحت الأرض. اطمئنان ما بعده أمان، الأعماق بلغت حدوداً لا تطالها الحمم ولا الطائرات، أو هكذا خيل لهم… فاطمئن الجميع للهندسة الإيرانية التي خططت وحفرت ونفذت، لكن الدهاء الاستخباري المشترك استدرج المشرف على التهوية داخل الأنفاق. حضر هذا العميل مع كل الخرائط لكل الأنفاق، وسافر إلى حيث أمنت له وكالة الاستخبارات المركزية والموساد إقامة واستقراراً مالياً خارقاً.
وهنا كشف مرجع استخباري لـ “صوت بيروت إنترناشونال” تابع خيوط العملية، أن هذا الخرق لم يستنفر فريق مكافحة التجسس لدى الحزب وبقي كل شيء على حاله، وباتت الممرات في الأنفاق في حوزة الأمريكيين والإسرائيليين. إضافة إلى ذلك، نجح الاختراق في استدراج وتجنيد الكثير من الإداريين داخل الممرات، ممن يشرفون على المواعيد ومعرفة الضيوف ومواقيت تنقل القادة، وكان هؤلاء في ملفات الخلايا النائمة بأسماء مستعارة… “لا مين شاف ولا مين دري”.
بقيت هذه الخروقات الفاضحة والخطيرة لسنوات مع تحديث استخباري دائم في جداول المواعيد عند أي تبديل، وثبت مجدداً أن الحزب “يا غافل إلك الله”. الموساد وعبر تقنيات جمع المعلومات البشرية اشترى مصنعاً لـ “البايجر” والاتصال ومنه انطلقت أخطر عملية لم تشهد مثلها الحروب عبر التاريخ. جرى تفخيخ “البايجر” بمواد متفجرة، المعمل يبيع للوكلاء في العالم وأما الكمية المفخخة بقيت في مخازن الشركة بانتظار الحزب الشاري، إلى أن حضر أخيراً إلى بلغاريا، فاوضوا واشتروا وربما قبضوا السمسرات.
وهنا تغوص الظنون عن دور وفيق صفا، الحي الوحيد الباقي بين الرفاق القادة الشهداء. أصحاب النوايا السيئة يعتبرون أن الغارة التي استهدفت صفا في زقاق البلاط قتلت العائلة كلها فيما تم تحييده، مع بث الإشاعات عن مقتله ولاحقاً عن بتر ساقه. ويسأل هؤلاء عن سر هذا القيادي الذي يتجول مكشوفاً في شوارع الروشة، يتحدى تحت أشعة الشمس وأزيز المسيرات فوقه… ويرافقه بوق إعلامي من آلـ “برو” لزوم انتشار بطولات صفا في مواجهة العدوان.
ويسأل سيئو الظن، هل يغطي الصفا السماوات بالقبوات كي يبعد ويبتعد عن الشبهات؟ لقد بقيت هذه التساؤلات معلقة لأكثر من شهرين، إلا أن الزلزال الأمني الأخير حسم الجدل، حيث تمت إقالة وفيق صفا رسمياً منذ أيام قليلة. وبحسب المعلومات المتداولة، فإن توقيت هذه الإقالة جاء متزامناً مع مراجعات داخلية قاسية حول كيفية انكشاف أماكن تواجد شخصيات إعلامية وقيادية بارزة، ومنها حادثة اغتيال محمد عفيف، ما فتح الباب أمام تساؤلات جدية حول الثغرات التي سمحت بهذا الاختراق الكبير وتحديد الإحداثيات بدقة متناهية… ما وضع أداء الجهاز المسؤول في دائرة المراجعة الشاملة.
ويضيفون بسؤال آخر، من أوقف التحقيقات لمعرفة الأسباب الحقيقية التي أوصلت الحزب إلى هذه الهزيمة؟ الوقائع التي كشفت خطيرة جداً، والشبهات حول بعض القيادات ستصيب البيئة بالإحباط مجدداً، لذا ستبقى الأمور مجمَّدة بانتظار ما ستؤول إليه أوضاع المنطقة. إن تزامن الاختراق الكبير للأنفاق مع الثغرات الخطيرة في كيفية وصول الأجهزة للحزب يضع علامات استفهام كبرى حول دور الأجهزة الرقابية… وبالرغم من كل هذا الضجيج، يلتزم الحزب الصمت المطبق حيال نتائج التحقيقات لتجنب المزيد من الانهيار المعنوي في بيئته، بانتظار تسوية إقليمية شاملة تعيد ترتيب الأوراق المبعثرة من جديد.

كلادس صعب



