
مضيق هرمز
يقول المثل “آخر الدواء الكي”، وهذا هو العنوان الحقيقي لما يفعله الرئيس الاميركي دونالد ترامب… بدأها بسلسلة مراحل مدروسة…ضربات قوية قطعت رأس الهرم مرشد جمهورية الملالي علي الخامنئي، دمرت المنشآت الحيوية والعسكرية، لتمهد الطريق لما هو أخطر… انتزاع أوراق القوة التي استحوذت عليها طهران داخل جغرافيتها وخارجها… الواحدة تلو الأخرى، ووضع النظام أمام واقع مرير لا يملك فيه خيار المناورة.
يوم 13 من الشهر الجاري دقت ساعة الحقيقة عندما حط الوفد الإيراني في “إسلام آباد” لإعادة إحياء ملف التفاوض والذي اعتبره بعض المحللين استدراجا لم يتيقنه ما تبقى من شخصيات النظام، ظنا منهم أن اللعبة ستسير وفق القواعد القديمة، لكنهم صدموا بواقع جديد ومفاجئ. فالمفاوض الأمريكي لم يعد يقتصر على المستشارين ستيف ويتكوف وديفيد كوشنير، بل حضر جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، ليكون الممثل الأعلى رتبة في هذه المواجهة ويعلن أن زمن المماطلة قد انتهى. في تلك اللحظة، وقع النظام في الفخ الأول حين اضطر لكشف “وجوه الظل” التي تمسك بما تبقى من القرار.
وقبل أن يعلن الرئيس ترامب إكماله الحصار على طهران بإغلاق مضيق هرمز نجح في انتزاع “ورقة لبنان” التي أصرت طهران على إدراج ميليشياتها وأذرعها وعلى رأسهم “حزب الله” بإعلان شريكه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الموافقة على التفاوض مع الدولة اللبنانية، والذي من المفترض انعقاد جولته الأولى اليوم في واشنطن. لتجد طهران نفسها وحيدة تماما في المواجهة، دون دروع بشرية أو جبهات خارجية.
ساعة الحسم الميداني
تزامنا مع هذه الأحداث كان ترامب يحضر لخطوته الأكبر “إغلاق مضيق هرمز” وهو الذي كان على يقين أن بقايا نظام الولي الفقيه لن تخرج عن قواعد لعبة مرشدها في الجولة التفاوضية الاخيرة. خلال الـ 48 ساعة الماضية، تحولت التهديدات إلى واقع ملموس حين أعلن يوم الأحد الفائت فرض الحصار وبدأ التنفيذ الفعلي عبر القيادة المركزية الأمريكية يوم البارحة في تمام العاشرة صباحا بتوقيت واشنطن. هذا الحصار الضخم استهدف خنق الموانئ الإيرانية واعتراض أي سفينة تدفع رسوم عبور لطهران، معتبرا إياها رسوما غير قانونية…ترامب الذي أوهم الجميع سابقا بعدم اكتراثه بالمضيق حين قال “من يستفيد منه فليفتحه”، ورغم أنه لم يكن في أجندته يبدو أنه لم يكن سوى “فخ” نصب بعناية و”طعم” لسمكة القرش الإيرانية، التي اندفعت نحو الشرك دون إدراك لتبعات المواجهة الصامتة، لتصحو اليوم على واقع مرير ترامب أغلق البوابة بإحكام، ووضع “المفتاح في جيبه” وهو بذلك أصبح اليوم “صاحب الدار” الذي يقرر من يدخل ومن يخرج.
يبدو العالم اليوم أنه تحت رحمة “المفتاح” الواحد الذي وضعه ترامب في جيبه ولم تنحصر تداعياته على طهران بل هزت العالم لاسيما من تقاعس عن مساعدته في فتح هذا المضيق… قفزت أسعار الغاز في آسيا بنسبة 40%، وتراجعت حركة الناقلات بحدود 70% نتيجة المخاوف الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين. وبينما تحاول باكستان جاهدة استئناف المفاوضات قبل انتهاء مهلة الهدنة خوفا من انفجار عسكري شامل، يراقب مجلس الأمن الدولي بقلق مسودة قرار تدعم تأمين المضيق ولو متأخرا. أما الصين وروسيا، فتقفان بموقف الحذر، حيث تمتنعان عن التصويت على قرارات المضيق، وسط قلق صيني بالغ لكون بكين تعتمد على المنطقة في 80% من واردات طاقتها.
لكن ترامب، ببروده المعهود، قلب الطاولة مجددا، مكررا موقفه بأن أمريكا ليست أسيرة هذا الممر، فالنفط الفنزويلي وبدائل أمريكا اللاتينية وأفريقيا جاهزة لتعويض الأسواق.
زمن الابتزاز انتهى لقد وضع ترامب مفاتيح المنطقة في جيبه، فارضا سيطرة أحادية. طهران اليوم تصحو على واقع مرير أوراقها في بيروت ضاعت، ونفوذها في إسلام آباد تآكل، وهرميتها تتفكك تحت ضغط “الكي السياسي”، رغم التهديدات بأن “الموانئ الإقليمية لن تكون آمنة” إذا أعيقت ملاحة طهران.
في الختام لا بد من تلخيص المشهد بالقول إن ترامب يملك اليوم بوابة “المضيق” ويحتكر المفتاح، أما النظام الإيراني فيواجه مصيره وحيدا بعدما خسر كل أدوات الضغط. لقد تغيرت قواعد اللعبة، وصار “صندوق البارود” تحت سيطرة رجل واحد يعرف متى يغلق الأبواب وبأي ثمن يفتحها، معلنا نهاية عصر الابتزاز الذي طال أمده