
غارة إسرائيلية على جنوب لبنان
تشهد منطقة شمال الليطاني حاليا تصعيدا في الضربات الإسرائيلية، ولم يعد هذا التصعيد ينظر إليه كمجرد خروقات ميدانية، بل كرسائل سياسية واضحة مرتبطة باستحقاقات كبرى مقبلة. هذا الواقع يضع لبنان أمام مشهد متداخل، تتقاطع فيه خطط الدولة مع حسابات إقليمية ودولية تسعى لضبط الساحة قبل وقوع أي تورطات أكبر. وفي هذا السياق، نقل مصدر خاص لـ “صوت بيروت إنترناشونال” أن المعطيات الميدانية لضربات الأمس تشير إلى اتباع إسرائيل استراتيجية تهدف لعزل المواقع المستهدفة عسكريا، حيث لوحظ منع وحدات الجيش اللبناني من الوصول إلى هذه النقاط عبر التهديد بالنار أو قطع الطرق، وهذا يمثل تحولا جذريا في السلوك الميداني.
هذا التحول الإسرائيلي يربطه مراقبون بما يتم تداوله في تسريبات إعلامية وعلى مواقع التواصل حول حادثة بلدة يانوح السابقة … فبينما كان يسمح للجيش اللبناني سابقا بالوصول إلى المواقع المستهدفة وتطويقها كما جرى في البلدة التي ذكرت سابقا ، تزعم الرواية الإسرائيلية المسربة أن تلك الحادثة كانت مسرحية جرى خلالها تسريب البلاغات لـ “حزب الله”، مما مكنه من نقل السلاح تحت غطاء تجمهر الأهالي قبل دخول الجيش وتوثيقه للموقع على أنه خال. وبحسب المصدر الخاص لـ “صوت بيروت إنترناشونال”، فإن هذه السردية تستخدم اليوم لتبرير لجوء إسرائيل إلى المنع بالنار المباشر، متذرعة بأن التنسيق المسبق لم يعد مجديا، وهو ما يهدف بوضوح إلى تحييد المؤسسة العسكرية ومنعها من ممارسة مهامها في الرصد أو الانتشار.
هذا الواقع يؤكد أن الآلية المعروفة بـ “الميكانيزم” باتت في حالة شلل تام، وسط تساؤلات حول ما إذا كان هذا التعطيل تقنيا أم سياسيا مقصودا … فبينما يصر لبنان على انتهاء المرحلة الأولى، يعتبر التحليل الذي نقله مصدر “صوت بيروت انترناشونال” أن إسرائيل رأت أن الوقت المخصص للحلول الدبلوماسية قد استنفد، خاصة في ظل موقف أميركي لم يظهر حماسة لمعالجة الاعتراضات اللبنانية، مما خلق فراغا رقابيا يفتح المجال أمام ترتيبات ميدانية جديدة. وفي مقابل هذا الضغط، يتمسك رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون والمؤسسة العسكرية بضرورة الحفاظ على دور الجيش كمرجعية شرعية وحيدة، رغم أن التضييق الإسرائيلي الحالي يضع تحديات كبيرة أمام سيادة الدولة.
وفي سياق متصل، ارتبط هذا التصعيد أيضا بتحركات إيرانية، كان أبرزها زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لبيروت، والتي وضعها عراقجي حينها في إطار اقتصادي برفقة وفد من رجال الأعمال … إلا أن المصدر الخاص لـ “صوت بيروت انترناشونال” أشار إلى أن تلك الزيارة أحاطت بها علامات استفهام كبيرة حول أهدافها التي لم تظهر للعلن، خاصة وأنها تزامنت مع ضغوط دولية مكثفة. وقد أعقب تلك الزيارة خطاب الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم الذي رفع منسوب التهديد، حيث عبر عن رفض أي محاولة لنزع السلاح، مؤكدا أنه جزء من معادلة الردع ولن يسلم تحت أي ظرف. وحذر قاسم من أن الحزب لن يسمح بتطبيق خطة شمال الليطاني إذا جاءت على حساب وجوده، معتبرا أن أي استهداف مباشر للحزب أو لإيران سيقود إلى ردود واسعة، وهو ما فسر كتحذير من إمكانية الانزلاق إلى مواجهة داخلية إذا استمرت الضغوط.
من جانبها، ترى إسرائيل أن التعامل مع إيران يتطلب أولا تقليص نفوذها الإقليمي، لذلك يقرأ استهداف شمال الليطاني وتكثيف الضغط العسكري كجزء من خطة أوسع تهدف إلى تحييد “حزب الله” أو إضعافه استباقيا … وبحسب تحليل مصدر “صوت بيروت انترناشونال”، فإن هذا التصعيد يأتي ضمن استراتيجية لتطويق أذرع طهران في المنطقة، تحسبا لاحتمال قيام واشنطن بتوجيه ضربة عسكرية مباشرة لداخل إيران، مما يقلل من فعالية أي رد انتقامي قد ينطلق من الساحة اللبنانية. وفي المحصلة، يظهر أن التوقيت اللبناني لا يتطابق مع التوقيت الإقليمي، فشلل لجنة “الميكانيزم” والتحولات الميدانية العنيفة، والغموض الذي لف التحركات الإيرانية السابقة، كلها تشكل جزءا من مشهد أوسع تتحرك فيه الأطراف وفق حسابات مرتبطة بمواجهة محتملة على مستوى المنطقة ككل.