
غارة إسرائيلية على جنوب لبنان
لبنان يترنح اليوم تحت وطأة تصعيد ميداني تجاوز الخطوط التقليدية، حيث انتقلت العمليات العسكرية من الاستهدافات المركزة للمخازن والمنشآت لتصل إلى ذروة سياسة الاغتيالات النوعية ونسف بناء بأكمله على تخوم صيدا دون سابق إنذار، كما تجسد في غارة البارحة التي لم تظهر إلى الآن هويات مستهدفيها، مع الإشارة إلى ربط المتحدث باسم جيش الإسرائيلي بين “حزب الله” و”حماس” لناحية الضربات التي حصلت، واللافت أن الكثافة النارية تتركز حاليا شمال نهر الليطاني كرسالة ضغط مزدوجة، يعتبرها بعض المتابعين أنها رد ميداني على مقاربة الرئيس جوزف عون من بكركي التي ربطت المسارات بالظروف الميدانية، وتحد مباشر لمواقف أمين عام “حزب الله” نعيم قاسم الذي جزم برفض أي نقاش حول السلاح شمال النهر.
وفي هذا السياق، نقل موقع “واللا” عن مصادر أمنية إسرائيلية أنه لا نية لتخفيف وجود القوات الإسرائيلية على حدود لبنان وستشن عمليات حتى في الضاحية الجنوبية لبيروت إذا لزم الأمر.
هذا الغليان يتزامن مع مخرجات لقاء البيت الأبيض بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، حيث عكس كلام ترامب من على باب البيت الأبيض أثناء استقباله نتنياهو، بأن بلاده تنظر إلى ضعف الدولة اللبنانية وهشاشتها أمام نفوذ “حزب الله”، ومؤكدا أن هذا الواقع لم يعد مقبولا ويجب تغييره.
على صعيد الداخل اللبناني، يحبس أنفاسه ترقبا لجلسة الحكومة المقررة يوم الخميس المقبل، حيث من المنتظر أن يضع قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل القوى السياسية أمام مسؤولياتها عبر تقرير يثبت إنجاز الوحدات العسكرية لمهام المسح الميداني جنوب الليطاني، إلا أن هذا التقرير يصطدم برفض مسبق في بعض الأوساط كونه يعيد إنتاج الثوابت الثلاثة وهي الوقف الفوري للأعمال العدائية وتحرير الأسرى والانسحاب الشامل، كما يسلط الضوء على خروقات الاحتلال الإسرائيلي الذي يكرس أمرا واقعا بقوة السلاح ويمنع الجيش من استكمال انتشاره في نقاط سيادية محددة، مما يضع الدولة اللبنانية في مواجهة مباشرة مع استحقاقات المرحلة الثانية الشائكة، خصوصا وأن التقارير العبرية تشير إلى أن حزب الله ينسق عملياته مع الجيش اللبناني ما يثير مخاوف إسرائيل من أن يتعمق التعاون بينهما وقد نقل هذا القلق إلى الجانب الأميركي.
وفي كواليس الحراك الدولي، تتصاعد التسريبات حول اجتماعات لجنة “مكانيزم” المرتقبة، مع التسريبات التي تتحدث عن حصر التمثيل بالجانب العسكري الصرف عبر استبعاد الوفد المدني الذي كان يترأسه السفير سيمون كرم. هذا الإقصاء المتعمد للمكون المدني يقرأ كإشارة واضحة لرغبة الأطراف الفاعلة في إغلاق أي ثغرة تفاوضية قد تمنح لبنان هامشا للمناورة السياسية، مما يحول اللجنة إلى أداة إجرائية لتنفيذ ترتيبات أمنية قسرية تتجاوز المطالب اللبنانية التقليدية.
في المحصلة، يزداد المشهد اللبناني تعقيدا مع تهاوي حلفاء المحور في الخارج، حيث شكل الانهيار الدراماتيكي لنظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ضربة قاصمة للبنية التحتية واللوجستية لـ “حزب الله”، وحسب المعلومات الصادمة التي أدلى بها وزير الدفاع الكندي السابق جيسون كيني فإن نظام مادورو لم يكن مجرد حليف سياسي بل كان الشريك اللوجستي الأول في “تجارة العبور”، حيث كشف كيني أن فنزويلا كانت تستخدم غطاء الرحلات الجوية الرسمية لنقل شحنات ضخمة من الكوكايين الخام والمواد المخدرة إلى بيروت، ليتم تصنيعها وتحويلها إلى منتجات نهائية في معامل سرية متطورة تقع في سهل البقاع اللبناني تحت حماية “حزب الله”، ثم يعاد تصديرها إلى الأسواق العالمية والإقليمية لتوليد تدفقات نقدية بمليارات الدولارات كانت تخصص لتمويل ترسانة السلاح الكبرى ودفع رواتب المقاتلين. ومع سقوط نظام كراكاس انهار هذا الجسر الجوي وجفت منابع التمويل الحيوي في لحظة هي الأكثر حرجا على الصعيدين المالي والعسكري، بالتزامن مع رصد استخباراتي يؤكد أن إيران تستمر في نقل أموال ووسائل قتالية إلى حزب الله مباشرة وعبر سوريا.
بالتوازي مع هذا الانكفاء اللوجستي، تبدو إيران وهي تغلي في أتون احتجاجات داخلية تتجاوز في زخمها وتوقيتها موجة مهسا أميني، مدفوعة بضوء أخضر وتحذيرات شديدة اللهجة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي توعد النظام الإيراني بمحاسبة قاسية في حال اللجوء للقمع المفرط. هذا الانكفاء الإيراني القسري نحو الداخل يترك الساحة اللبنانية مكشوفة أمام اندفاعة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو الذي يستثمر في المناخ اليميني الدولي لإعادة رسم خرائط النفوذ تحت وابل من الغارات المكثفة.
في الختام، يجد لبنان نفسه محاصرا بين ارتدادات سقوط نظام نيكولاس مادورو وضغوط “يمين البيت الأبيض” المنسجمة مع الأهداف الإسرائيلية. الأيام القليلة المقبلة ستحسم ما إذا كان لبنان قادرا على انتزاع تسوية تحفظ ما تبقى من سيادته أم أن كرة النار ستواصل تمددها لتلتهم كل فرص الانتظار.