انهيار مبنى في طرابلس
لم يكن صوت الارتطام الذي هز منطقة القبة فجر السبت الفائت مجرد سقوط لجدران قديمة، بل كان يشبه صرخة مدينة كاملة شعرت أنها سقطت من ذاكرة الدولة. في طرابلس، لا تنهار البيوت بسبب الزلازل، بل لأنها تركت لسنوات طويلة بلا حماية، حتى تحولت من مأوى يسكنه الناس إلى توابيت من إسمنت تترصد بالفقراء. ومع رحيل الشابة اليسار تحت تلك الأنقاض، عاد الوجع القديم ليطرق أبواب أهل المدينة الذين لم ينسوا بعد مرارة القصف في الثمانينيات وظلم مراكز التحقيق، ليجدوا أنفسهم اليوم يواجهون الموت داخل بيوتهم.
الأرقام هنا تتحدث بمرارة، فهناك أكثر من خمسمئة مبنى قد ينهار في أي لحظة، وأكثر من ثمانمئة بيت في أحياء التبانة والقبة والميناء ينتظر ترميما قد لا يأتي أبدا. والمفارقة الحزينة هي أن الدولة التي تملك قوائم دقيقة بكل مطلوب في هذه الأزقة، تعرف أيضا أن هذه السقوف متهالكة فوق رؤوس أصحابها، لكنها لا تتحرك إلا بعد أن تقع الفاجعة لتبدأ بجمع الركام وحساب عدد الضحايا.
هذا الإهمال الذي يلاحق الحجر، يذكر الناس بالدماء التي سفكت في تفجير مسجدي التقوى والسلام عام 2013. وقتها، كشف القرار الاتهامي الرسمي عن مخطط أسود لضرب استقرار الشمال، وذكر بالأسماء تورط اللواء السوري علي مملوك وضباط آخرين في التخطيط لهذا الانفجار الذي استهدف المصلين. هؤلاء الضباط لا يزالون بعيدين عن المحاسبة، بينما يدفع شباب المدينة أثمانا غالية من أعمارهم، إذ يقدر عدد الموقوفين من طرابلس والشمال في ملفات تتعلق بالإرهاب أو مناصرة الثورة السورية بنحو 1200 شاب، يقبع مئات منهم في السجون منذ سنوات بلا محاكمة. وحتى الذين أنهوا عقوبتهم وخرجوا، يجدون أنفسهم في سجن آخر هو وثائق الاتصال التي تلاحقهم وتمنعهم من العودة للحياة الطبيعية بناء على وشايات وتقارير تفتقر لأبسط قواعد العدل.
ذاكرة طرابلس والشمال لا تزال تنزف بمجازر الثمانينيات التي ارتكبها النظام السوري، وأبرزها جرح عام 1986 الذي سقط فيه مئات المدنيين في أحياء التبانة وضهر المغر، بالإضافة إلى حملات الاعتقال الواسعة في عكار والضنية. مراكز مثل مدرسة الأميركان في طرابلس بقيت في الوجدان شاهدا على أيام سوداء ذاق فيها الناس الويلات، بينما يتردد اليوم أن بعض العناصر الأمنيين الذين شاركوا في تلك المآسي يعيشون في الشمال بهويات مخفية، ما يزيد من شعور الناس بالظلم والتناقض.
يضاف إلى هذا العمر المثقل بالأوجاع، جولات القتال التي عرفت بالمحاور بين باب التبانة وجبل محسن. هذه الجولات التي استمرت لسنوات وتجددت بضراوة بعد عام 2011، كانت تسرق الأمان مع كل رصاصة قنص أو قذيفة، وخلفت وراءها مئات القتلى وآلاف الجرحى ودمارا في البيوت والنفوس. ورغم توقف المدافع، إلا أن أثرها بقي محفورا في ذاكرة مدينة دفعت من دماء أبنائها واستقرارها ثمنا لصراعات لم تكن هي من اختارها.
المأساة تكتمل حين يجد الشاب الطرابلسي نفسه ملاحقا لأنه صرخ وجعا من الجوع أو تظاهر في ساحة النور، بينما يعيش بين الناس من ارتبطت أسماؤهم بمآسي الماضي بهويات مزورة. هذا التناقض هو ما يجعل الجرح يرفض الالتئام. طرابلس اليوم لا تريد وعودا، بل تريد حقوقها، تريد فتح مرفئها ومطارها ومصفاتها ليعمل شبابها بكرامة، وتريد إلغاء وثائق الاتصال التي تخنق مستقبلهم، وتحقيق العدالة لمن قبعوا في السجون بلا محاكمات. إن استمرار هذا التجاهل سيجعل الانهيار القادم أكبر من مجرد سقوط جدار، بل قد يطال ما تبقى من ثقة في الدولة. طرابلس التي صمدت أمام المجازر والتفجيرات وجولات المحاور، لا تستحق أن تترك لمصيرها بين جدران متهالكة وذاكرة مثقلة بالدماء، وهي اليوم تطالب بحقها البسيط في الحياة والعدل والإنصاف.