الأحد 20 محرم 1448 ﻫ - 5 يوليو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

طهران تدفن "مرشدها الأخير" في ليلة يضيء فيها ترامب عيد "بلاده العظمى"

بينما كانت أنوار الألعاب النارية تضيء سماء الولايات المتحدة احتفالًا بزيادة سنة من عمر الدولة، كانت طهران تدفن مرشدها علي الخامنئي بعد 4 أشهر من الانتظار، ليقبع في حفرة مظلمة تشبه تلك الحفر التي دُفن فيها هذا النظام الآلاف من الضحايا في إيران ومحيطها، تحت شعار “نصرة المستضعفين في العالم”. بدفن المرشد تُطوى صفحة “الولاية” والثورة التي أشعل نيرانها المرشد الأول الإمام الخميني من 47 عامًا، وامتدت نيرانها لتحرق الشرق الأوسط بأكمله واستمرت مع وريث ولايته علي الخامنئي الذي أطفأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب شمعات عمره في بداية السنة الجارية، طاويًا صفحة الولاية والثورة، وتوقف قطارها مع البكاء والذي رافق هذه الجنازة من الشخصيات التي كُتب لها البقاء على الحياة إلى يومنا هذا وعلى رأسهم رئيس مجلس النواب الإيراني قاليباف الذي طافت دموعه حرقة لفتت فيها أنظار وزير الخارجية عباس عراقجي والحضور والشاشات في العالم.

من خلال المشهد الذي رافق هذا التأبين، يمكن قراءة اللوحة التي تغيرت مع اغتيال أبرز القيادات التي رافقت المرشد الخامنئي على صعيد الداخل الإيراني، وعلى رأسهم قاسم سليماني الذي شكل أول الخارجين من المشهد بقرار من ترامب ورفيقه في الجهاد العراقي أبو مهدي المهندس وتوالى بعدها فرط عقد مسبحتهم إلى لبنان في ولاية ترامب الثانية، مع اغتيال أمين عام “حزب الله” حسن نصر الله وأبرز القيادات التي اعتمد عليها “الولي الفقيه” في ترسيخ سيطرته على العواصم الخمس سياسيًا وعسكريًا، وكانت لهم بصمات دموية من خلال التفجيرات التي بدأت سلسلتها مع تفجير مقر “المارينز” عام 1983 في بيروت، لتستمر على مدى سنوات، طالت الرئيس الشهيد رفيق الحريري وجه لبنان المشرق.

في قلب هذا المشهد الصاخب يبرز السؤال الأكبر الذي يشغل الكواليس عن غياب مجتبى خامنئي، الذي يفترض حضوره كوريث للمرشد ولا يجوز التأبين إلا بحضوره… ذلك الغياب الذي لم يثبت وجوده إلا بمجسم “شبحي” وقرارات ومواقف تظهر مكتوبة بحبر مُولد بذكاء من تبقى من أصحاب القرار، تفرض حضوره كونها تصدر باسمه وتأتي بموافقة ظاهرية ولاسيما “مذكرة التفاهم” التي وُقعت مع الولايات المتحدة، حين أبدى موافقة متحفظة عليها.

تجد طهران نفسها اليوم أسيرة غرفة انتظار دولية تترقب بقلق شديد مصيرها، فالكيان الذي طالما تباهى بالصبر الاستراتيجي وامتلاك خيوط اللعبة الإقليمية يبدو الآن مشلول الحركة، في وقت يبدو أن الصراع يدور في الأروقة بين من يرتدون العمائم ومن يرتدون البدلات في سباق محموم للسيطرة على ما تبقى من هيكل النظام… صراع سيؤسس حتمًا لبداية الانهيار الشامل، بانتظار ما ستؤول إليه نتائج تنفيذ بنود المذكرة التي لم تسلك طريقها إلى مناقشة البنود الأساسية، التي ما زالت تخضع للتناقضات الصارخة التي تصدر عن الورثة من العمائم وأصحاب “البدلات” وعلى رأسهم وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس مجلس الشورى محمد باقر الذي كُتبت له الولايات المتحدة العمر لفترة زمنية قد تكون محددة.

في وقت تعيش فيه طهران صراع التخبط بين الورثة وأصحاب القرار، فإن شظاياه مترجمة في المشهد اللبناني الذي ضاعت فيه البوصلة مع اغتيال أمين عام “حزب الله” حسن نصر، الشخصية التي لم تتمكن طهران من تعويضها في ساحتها الأقوى عسكريًا وسياسيًا وعقائديًا، والتي اشتعلت ساحتها وما زالت مستمرة، كون الأصبع سيبقى على الزناد، بانتظار أصحاب الأمر في طهران ولو كانت تكلفتها تدمير جنوب لبنان بكامل جغرافيته.

يدرك أركان النظام في طهران أن هامش المناورة قد انتهى، وأن أوراق القوة التي طالما ابتزوا بها العالم باتت كلها فوق طاولة ترامب الذي خصصها لتشريح ما تبقى من هيكل النظام، وهي محطة يدرك فيها الورثة أن صراعهم على تركة “الولي الفقيه” لا يعدو كونه تقاسمًا لرماد كيان ينتظر رئيسه الجديد ليعرف إن كان سيحكم دولة، أم سيدير ما تبقى من أنقاض نظام وضعه التاريخ على لائحة التصفية.