
ثلاثة أشخاص أطلقوا على أنفسهم اسم "لواء أحمد الأسير"
لطالما خُدعت العيون بما تراه، وصدّقت الآذان ما تسمعه، ومنذ الإعلان عن هزيمة “تنظيم داعش” وانحساره، لم تهدأ خيوط التلاعب، فخلف ستار الاندثار، يُعاد صياغة وجود جماعات مصطنعة هنا وهناك كـ”فزاعة” تُستحضر عند الحاجة، لتمارس عبثاً مدروساً يخدم أهدافاً سياسية معقدة، ويكشف عن لعبةٍ أمنيةٍ بارعةٍ تُعيد رسم خارطة التهديدات في قلب الدول.
في حديث لـ”صوت بيروت إنترناشونال” حول هذا الظهور وهذه المجموعة ومضمون إعلانها وتوقيته، رأى المحامي محمد صبلوح، المتابع لهذه القضايا منذ سنوات، أن الفيديو الذي ظهر فيه ثلاثة أشخاص أطلقوا على أنفسهم اسم “لواء أحمد الأسير” يدعون إلى الفتنة وإثارة النعرات الطائفية ويهددون بالهجوم على السجون لإطلاق سراح “الإسلاميين”،يعيد الى الاذهان ظهور “داعش” والملفات الارهابية “المفبركة عند الطلب”.
تزامن هذا الفيديو مع عودة الأصوات المأجورة إلى نشر معلومات مضللة للرأي العام، تمهيداً لمخطط يُحاك للبلاد، فمنهم من مهد لمعلومات عن نشر سيارات مفخخة في لبنان وغير ذلك، وكل هذا يحدث دون تدخل أمني جاد للتحقيق في هذه المعطيات، مما يثير تساؤلات حادة حول التوقيت والدوافع.
فلا يخفى على أحد اليوم أن لبنان يتعرض لضغوطات دولية لـ”نزع سلاح حزب الله”، وهذا ما يُفسر تحرك هذه “الأفلام” لخدمة مشغليها عندما تتعرض الساحة اللبنانية لأزمة داخلية أو خارجية. فمن هو المستفيد اليوم من هذا الفيديو؟ هذا يعيد إلى الأذهان الملفات المفبركة والمعلومات المضللة للرأي العام التي استُعملت على مدى سنوات. نذكر منها، على سبيل المثال، قضية مطعم الساحة في الضاحية الجنوبية والخطة التي كانت تستهدف تفجيره، حيث اعتقل الأمن العام خلية ليظهر في التحقيقات أن المشغل والمخطط، وحسب داتا الاتصالات، كان من “معلومات الأمن العام”، وقد اكتفى القضاء بتوقيف الموقوفين في هذا الملف. كذلك، أعلنت جريدة “الأخبار” منذ عام ونصف تقريباً عن اكتشاف الأمن العام اللبناني خلية إرهابية كانت تعد طائرات مسيرة تنطلق من منطقة المنكوبين شمال لبنان لقصف مستشفى الرسول الأعظم، واعتقلت أطفالاً وراشدين، ليتبين لاحقاً أن القضية كانت ملفقة من قبل “معلومات الأمن العام”، وقد برّأ القضاء العسكري عدداً من الشباب واكتفى بمدة توقيف الباقين.
ولعل قضية انتحاري الكوستا التي ضج فيها الإعلام عام 2017، وأدت إلى تدمير السياحة في المدينة وإغلاق المقهى وطرد الموظفين، لا تزال عالقة في القضاء لأكثر من مئة شهر دون محاكمة، خاصة بعد اكتشاف أن المخطط والمنفذ هو ضابط وعناصر من الجيش اللبناني، وخوفاً من نشر هذه الفضيحة للرأي العام، بقي الملف في الأدراج وبقي “انتحاري الكوستا” في السجن عشر سنوات دون محاكمة. وفي سياق لا يختلف كثيراً، أعلن الجيش اللبناني منذ أشهر عن اعتقال خلية إرهابية بهدف الاعتداء على أمن الدولة ومحاولة اغتيال آمر سجن رومية والقيام بأعمال إرهابية، ليتفاجأ المتابعون بأن زعيم هذه الخلية المزعومة لا يتجاوز عمره السادسة عشر عاماً، وأن القضية ملفقة، وقد تعرضوا لأبشع أنواع الضرب والتعذيب لانتزاع الاعترافات منهم بالقوة، وصلب بعضهم في وزارة الدفاع لأيام لإرغامهم على التوقيع على السيناريو الذي أعده المحقق.
وبتاريخ 28/5/2025، صدر الحكم من المحكمة العسكرية على سوري بتهمة الانتماء لداعش بحجة أن شقيقه توفي وهو يقاتل إلى جانب التنظيم في سوريا، وأنه قرر الانتقام لموته وانتمى لداعش. عند حضور جلسات المحاكمة، أكد الضحية أن المحقق في وزارة الدفاع هو الذي كتب السيناريو وأن شقيقه توفي عام 2010 في حادث سير. لكن القضاء لم يصدق وطلب من مديرية المخابرات التقرير الأمني الذي أعلنت عنه المحكمة العسكرية يوم 28/5/2025، وجاءت نتيجته أن الموقوف لم يقم بأي عمل أمني مخالف ولم يتواصل مع مشبوهين وأن هاتفه “نظيف” من أي مخالفات. وعلى الرغم من إثبات براءته، فقد حكمته المحكمة العسكرية ثلاث سنوات.
لا تزال ذاكرة اللبنانيين حاضرة في قضية ضحية الموت تحت التعذيب بشار عبد السعود، الذي قضى في غرفة التحقيق ثلاث ساعات وتوفي نتيجة الضرب العنيف الذي تعرض له على يد جهاز أمن الدولة، بحجة أنه ينتمي مع أصدقائه لخلية إرهابية. وبعد التدقيق من القضاء العسكري، صدر القرار الظني عن قاضية التحقيق العسكري نجاة أبو شقرا بمنع المحاكمة عنهم لأن القضية ملفقة وانتُزعت اعترافات منهم بالقوة وتحت التعذيب ولا يوجد أي دليل يعزز هذه الاتهامات، وصدّق القرار رئيس محكمة التمييز العسكرية جان قزي.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد عملت بعض الأجهزة الأمنية، ومنها معلومات قوى الأمن الداخلي، على أخذ دور “داعش” والتواصل مع الأطفال على مواقع التواصل الاجتماعي وإفهامهم بأن “حزب الله دمر لبنان وقتل أهل سوريا”، وتقنعهم بالانتماء لداعش وتعطيهم مواعيد للقائهم ثم تعتقلهم وتزجهم في السجون لسنوات يتعرضون خلالها للتعذيب وانتزاع الاعترافات بالقوة، في محاولة لصناعة التطرف وصناعة جيل حاقد على مؤسسات الدولة، للأسف.
تضاف إلى ذلك واقعة قيام الجيش اللبناني، وفقاً لتقارير، باعتقال مجموعة من الشباب في 27/12/2025 وتضخيم ملفهم وعدم التصريح عنه بسبب ظروف إقليمية. وعند تحرك مجموعات مسلحة في الساحل السوري بتاريخ 9/3/2025، أعلن الجيش بتاريخ 10/3/2025 عن هذه الخلية، متحججاً بأن “داعش نقلت ولايتها إلى لبنان”. الملف ما زال قيد النظر أمام قاضي التحقيق العسكري الرئيس فادي صوان، الذي أبقاه في غرفته ستة أشهر وكل يوم يعتقل الجيش شخصاً لضمه للملف لتضخيم القضية، علماً أن القاضي صوان معروف بسرعته في إصدار القرارات الظنية خلال أيام، وهذا الملف الوحيد الذي بقي في جعبته كل هذه الأشهر لمساعدة قوى الأمر الواقع في تضخيم القضية. وفي هذا الصدد، ندعو القضاء بأن تكون التحقيقات في هذا الملف علنية.
كل هذه السيناريوهات وغيرها المئات تطرح تساؤلات جدية عن المستفيد من وراء هذه التحقيقات والفبركات، ومن هو المستفيد من بقائها واستمرارها. فمثلاً، أحداث التبانة-جبل محسن التي استمرت ثلاث سنوات وشهدت 21 جولة قتال ومئة شهيد، انتهت بقرار سياسي وأمني خلال أربع وعشرين ساعة، ليتبين بعدها أن المخطط والمنفذ هو مدير مخابرات الشمال الأسبق. وعند بدء الثورة التي وُصفت طرابلس بأنها “عروسها”، عادت الأصوات المأجورة من جديد لـ”دعشنة” الثورة، وقد ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية على الثوار بتهم الإرهاب. وبعد تضافر جهود المنظمات الدولية التي أدانت هذا الاتهام، منع قاضي التحقيق العسكري المحاكمة عنهم.
كل هذا يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن المستفيد من وراء كل هذه “الأفلام المركبة” هو واحد:” قوى الأمر الواقع التي تاجرت بهذه القضايا وما زالت، وذلك لتشريع وجودها وإيهام المجتمع الدولي بأنها ضمانة عبر شيطنة فئة من المجتمع وتدمير مستقبل أبنائهم.
اليوم، جميعنا نعرف أن الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي يطالبان بنزع سلاح حزب الله. الحل الوحيد للحزب ولضباط الأجهزة الأمنية الذين يعملون تحت إمرته هو إعادة تركيب ملفات والقيام بأعمال أمنية في البلاد لإيهام المجتمع الدولي بأن الدولة اللبنانية مشغولة بحروب أخرى ولا تستطيع القيام بنزع سلاح الحزب حالياً. للأسف، كل ذلك يحدث على حساب الشعب اللبناني وتدمير ما تبقى من اقتصاد وسياحة لديه. فمن هو المستفيد من الفيديو الذي أثار النعرات الطائفية سوى تنفيذ المهمة التي ذكرناها؟