
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
ليست المرة الأولى التي يقلب فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب المشهد السياسي رأساً على عقب، ولذا لا يمكن تفسير توقيعه “مذكرة التفاهم” مع إيران قبل يوم واحد من الموعد الرسمي كحدث عابر أملته ضرورات معينة، فقد اعتدنا منه على مفاجآت مدوية تعيد خلط الأوراق الإقليمية والدولية في لحظات غير متوقعة. هذا الأسلوب المباغت الذي تعددت التكهنات حول دوافعه الحقيقية، يعيد إلى الأذهان السيناريو المزلزل الذي اختبرته فنزويلا في يناير 2026، ففي غضون ساعات تمكنت القوات الأميركية من “اقتلاع” الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من فراشه، ومعه انهارت المنظومة المالية والمصرف المركزي لنظام “الملالي” وأذرعه. إنها استراتيجية الصدمة التي سحب ترامب صاعقها المالي، معرياً طهران من غطائها المالي، ومؤذناً ببدء انهيار المنظومة المالية وشبكاتها العالمية التي أسسها نظام “الولي” في العالم.
البارحة، ومع التوقيع المفاجئ لترامب قبل يوم واحد من الموعد الرسمي، كرر السيناريو نفسه، مع تمايز كبير لناحية الجبهة كونها أكثر سخونة. فبعد أسابيع من التصعيد العسكري، وفي اللحظة التي كان يترقب فيها العالم “ضربة ترامب الثالثة” على طهران والتي وصفها حينها بأنها ستكون الأقوى.ظن العالم يومها أنها المرحلة الأخيرة في مسار إنهاء النظام. واذ بترامب يخرج على منصته “تروث سوشال”، ليعلن فجأة تعليق العمل العسكري وتوقيع “مذكرة تفاهم” من 14 نقطة تفرض وقفاً للقتال على كافة الجبهات، بما فيها جبهة لبنان. كما أعلن فتح أبواب مضيق هرمز، مطلقاً العنان لصفاراته، يدعو عبرها السفن لتشغيل محركاتها إيذاناً بساعة الصفر التي حددها لخروج نفطها المحمل حتى من الموانئ الإيرانية.
مفتاح هرمز في قبضة ترامب
مع خروج بنود “مذكرة التفاهم” إلى العلن، قطع الشك باليقين، ولم يعد للتكهنات مكان على الشاشات، فالبنود المعلنة أفسحت المجال أمام قراءات جديدة. إنها ضربة استباقية مدروسة أربكت حسابات الجميع، فترامب تعمد رمي البنود دفعة واحدة وفي توقيت خاطف، ليعرف القاصي والداني أنه فرض معادلة جديدة بالكامل. هذه البنود لم تقارب صلب الصراعمع طهران، بل هي مجرد “طعم” رماه الصياد ترامب، استدرج فيه طهران والجميع إلى ملعبه الخاص بعد إيهامهم بالنصر.
وقبل إعلان البنود، كانت “مجموعة الورثة” في إيران تعد الصناديق لاستقبال مليارات لن يرى الشعب منها شيئاً، مشيعةً “بهجة الانتصار”، وهي التي تدرك تماماً عجزها العسكري وانكشاف جبهة “حزب الله”. لقد نجح ترامب في إشعال فتيل السجال في الداخل الإيراني الذي سينجلي مشهده خلال الأيام القادمة. وفي الخلاصة، لا يعدو المشهد كونه “استسلاماً غير معلن”، فبينما غرقت الشاشات في دوامة من التكهنات حول حسابات الربح والخسارة، أراد “المايسترو” ترامب ضخ مواقف متناقضة جعلت الإعلام يضرب أخماساً بأسداس، وبات يحتاج إلى “منجم” لمعرفة بواطن ما يدور في عقله، بعد أن عجز المحللون عن ملاحقة مواقفه المتبدلة. ورغم إعلانه فرحته بما حققه، أبقى السوط مسلطاً على طهران بقوله: “هذه مجرد مذكرة تفاهم. إذا لم أكن راضياً عنها، وإذا لم يصحح حكام إيران سلوكهم، فسنطلق النار عليهم مجدداً ونلقي القنابل فوق رؤوسهم، لأنهم أساءوا التصرف على مدار 47 عاماً”.
استسلام مقنع للملالي
لم يغب لبنان عن هذا الاتفاق ولا عن تصريحات ترامب، وإن محاولة طهران استثمار لبنان عبر ذراعها “حزب الله” كانت مخيبة، فهو لم ينل سوى ما تبقى في الطبق الذي أعده ترامب لنظام “الملالي”. فجائزة الحزب اقتصرت على “وقف إطلاق نار” بات مسلماً أنه غير محقق على الأرض، وما جرى خلال الساعات الماضية يوضح الصورة، بعد أن كثفت إسرائيل ضرباتها ووسعتها على جنوب لبنان، وهو دليل ساطع على أن طهران أدرجت لبنان كـ “جبر خاطر” ضمن هذا التفاهم، مفضلة تجميد الصراع وحماية ما تبقى من هيكلها المفرغ من قدراته الردعية، بدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة غير مأمونة النتائج بعد الضربات الأميركية الأخيرة. ولا يمكن للمكالمات التي أجراها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع المسؤولين اللبنانيين لإهدائهم “الانتصار الإيراني” أن تبعد شبح الضربات الإسرائيلية الضارية، فإسرائيل أثبتت ميدانياً أنها غير معنية بالورقة الإيرانية، ولا تزال تشن غاراتها وتتمسك بانتشارها في “منطقة أمنية” بعمق 10 كيلومترات داخل الجنوب اللبناني.
ومع اشتعال الجبهة اللبنانية، يطرح تساؤل عن موقف طهران… هل ستهب لنجدة ذراعها وتطيح بالمكاسب التي حققتها؟ وهي التي باتت محاصرة بين خيارين…فهي لم تتمكن من فرض شروطها لحماية سلاح الحزب، ولا تملك آلية لإجبار إسرائيل على الانسحاب، وقد تبين أن أولويتها من خلال ما ورد ف بعض بنود التفاهم تقتصر على رفع الحصارعن موانئها والإفراج عن أموالها وتأمين تصدير نفطها. هذا الوضع ينقلنا الى أن المسار التفاوضي المباشر بين لبنان وإسرائيل متقدم بخطوات على “هدية طهران” الرمزية. وهنا يكمن التحدي أمام السلطات اللبنانية لتلقف الفرصة واستكمال المسار التفاوضي باستقلالية تامة، فالحل لن يكون إلا عبر تنفيذ ما تعهدت به الدولة في الجولة الأخيرة. والتي ترتكز على حصرية السلاح بيد القوى الشرعية وتفكيك أي بنية عسكرية غير حكومية في الجنوب ويفرض واقعا ميدانيا يتولى بموجبه الجيش اللبناني وحده السيطرة العسكرية التامة في مراحل الانتشار الأولى لضمان خلوها من السلاح، تحت إشراف لجنة مراقبة دولية برئاسة واشنطن لمنع أي إمداد عسكري غير شرعي.
يخطئ من يظن أن ترامب، الذي بدأ ولايته الأولى بضربة قاسية باغتيال قاسم سليماني، سيهدي طهران “سند ملكية” للمنطقة، فهو يستكمل ما خطط له سابقاً. ويظهر بوضوح من خلال قراءة المشهد العام للمذكرة”التي أربكت الحليف والعدو على حد سواء. والسؤال الذي يطرح نفسه… ماذا بعد؟ يبدو أن مقولة ترامب “تحقيق السلام بالقوة” سيفرضها متوجآ نفسه “رجل السلام العالمي” ، و لن ينتظر أحداً ليقلده الميدالية، بل سيقف على المسرح الذي جهزه بنفسه، ليمنح ذاته هذا اللقب، تاركاً شركاءه الإقليميين يتفرجون، ومثبتاً مقولته… “تريدون السلام؟ ادفعوا لإعادة إعمار خصمكم لتأمنوا شره”، وهذا ما بدا واضحاً في بند الـ 300 مليار دولار. وبذلك، ترك المنطقة تغلي تفاعلاً مع البنود المفخخة التي صاغها، والتي لن تمنح طهران سوى انتصار مر سيسدل الستارعاجلاَ أم آجلا عن حقبة هذا النظام.