الأربعاء 6 ربيع الأول 1448 ﻫ - 19 أغسطس 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

كيف جعلت طهران من لبنان قاعدتها المتقدمة في الشرق الأوسط؟

لم يعد الجنوب اللبناني مجرد جغرافيا حدودية تعبر من جولة اجتياح إلى أخرى، بل بات مسرحاً جلياً للمواجهة الإيرانية التي استعد لها نظام الملالي منذ سنوات طويلة… لقد سعت طهران لإحكام سيطرتها على هذه البقعة مع بدء طلائع الحرس الثوري الإيراني بالاستقرار في بعلبك والبقاع عام 1982، بإشراف السفير الإيراني في دمشق آنذاك علي أكبر محتشمي ومحسن رضائي أحد القيادات العليا في الحرس، والإشراف على تدريب عناصر الحزب عسكرياً وأيديولوجياً، تمهيداَ لتقديمه كذراع عسكري مهمته المعلنة مواجهة اسرائيل، لكن تحركه يخضع تنظيمياً للحرس الثوري..

بعدما طورت طهران قدرات عناصر الحزب على صعيد التدريب العسكري ، انتقلت الى التسليح الفردي، التي باتت تحتاج الى ثكنات عسكرية لا يمكن أن تظهر كرديفة للجيش اللبناني فكانت البنى التحتية تنشأ تحت جغرافيا المدن والقرى الجنوبية ، من خلال الأنفاق التي أشرف على هندستها وفق ما بات متعارف عليه خبراء من كوريا الشمالية وهو ما أظهرته الشرائط المصورة التي نشرها الجيش الاسرائيلي ، لبعضها بعد اسقاطه لأهم المدن التي كانت تشكل رمزية خاصة ل”حزب الله” ، فضلاً عن مخازن الاسلحة ومصانع المسيرات التي كانت الضربات الاسرائيلية تشعلها ،لتهتز معها المناطق المحيطة بها، وهو ما يكشف عن كمية الذخائر التي تكدست على مدى عقود ، وهي تجاوزت كلفتها المليارات، التي كانت تغدقها طهران من خزائن الدول التي سيطرت عليها وعلى رأسها العراق وتجارة الممنوعات وتبييض الأموال التي شكلت فنزويلا المركز المالي الذي يهندس موازنتها ..

هذا الدعم لا يمكن فصله عن مشروع طهران التوسعي الذي يتجاوز نشر عقيدة “الولي الفقيه” ليوضع في اطار توسع النفوذ الإيراني ليكون له موطىء قدم في البحر الأبيض المتوسط التي تشكل حلقة مهمة بين عدة دول ، تعبر من خلالها مصادر الطاقة من غاز ونفط. وهي تمكنت من تثبيت هذا المسار من البوابة العراقية، ليمر بسوريا وصولا الى لبنان .مع فقدان سيطرت طهران على المنفذ بين العراق وسوريا بعد سقوط نظام بشار ، لم يتبقى بيدها سوى ورقة “حزب الله” التي مازالت تلوح بها ، وهو ما عبرت عنه سفارتها في لبنان بمنشور اعتبرت فيه “لبنان قلب طهران”  .

إن هذه التحصينات والمليارات التي صرفت منذ ثمانينيات القرن الماضي عبر شبكات تمويل متنوعة لتأمين صمود القاعدة التي تدار مركزياً من طهران عبر الضاحية الجنوبية، لم يكن هدفها استرجاع القدس… فغزة شاهدة على الثمن الذي دفعته “حماس” وأبناء غزة بعد 7 أكتوبر ، دماراَ وقتلا ليقفل هذا الملف ويصبح بعهدة ” مجلس السلام العالمي”، في وقت  يواجه فيه الجنوب اللبناني القضم والتدمير الإسرائيلي اليومي لقرى الحافة الأمامية بعد الاسناد الاول لغزة والثاني ثأرا لقتل الخامنئي..

أن هذا التمدد الاستراتيجي، يواجه اليوم مساراً متسارعاً من التآكل على وقع الضربات الاسرائيلية التي رسمت خريطة للجنوب اللبناني لم يشهدها في تاريخ صراعه مع اسرائيل …. انه المحطة المفصلية لنفوذ المشروع الايراني الذي يواجه اختبار وجودي …

في قلب هذا المشهد الذي بات ينذر بأن العاصفة الكبرى بدأت بشائرها تلوح في الافق … تبرز تلة “علي الطاهر” كمفتاح استراتيجي قد يشرع الباب أمام السيطرة النارية والرصد المطلق للجيش الاسرائيلي، الذي يمهد الطريق نحو السيطرة الميدانية المباشرة على معاقل أعمق وصولاً إلى تحصينات أخرى تمتد الى مناطق اقليم التفاح.حيث تمتد سلسلة من الجبال تشكل مثلثا استراتيجيا من جبل الريحان الى سجد وجبل صافي… فالسيطرة على جبل الريحان تكسر حلقة الوصل الجغرافية المباشرة بين الجنوب والبقاع الغربي باعتباره قلعة الإشراف الشامل، بينما تمثل تلة سجد العقدة التكتيكية ومفتاح التقدم، في حين يشكل جبل صافي المانع الطبوغرافي والدرع الجبلي الذي يحمي العمق الغربي لقطاع العمليات… وبذلك، فإن السقوط المتسلسل لهذه السلسلة الحاكمة سيحدث زلزالاً تكتيكياً واستراتيجياً يفقد المحور عمقه الدفاعي، لتتحول المرتفعات من حصون متقدمة لطهران إلى بوابات مكشوفة تعيد هندسة خارطة النفوذ العسكري برمته في لبنان والمنطقة..