
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس الصيني شي جين بينغ
يعيش لبنان اليوم في ظل واقع ميداني وسياسي دقيق، فمن جهة، تزداد وتيرة العمليات العسكرية الإسرائيلية جنوبا، راسمة حدودا أطاحت بـ “الخط الأزرق” لتتمدد فوق قرى الحافة الأمامية، لترسم ما أطلقت عليه اسرائيل”الخط الأصفر” على غرار الذي أقامته في قطاع غزة. هذا الخط ليس مجرد ترسيم حدودي، بل هو حزام أمني تعمل إسرائيل على توسيعه تدريجيا لقضم المزيد من الأراضي وتثبيت واقع جغرافي جديد يمتد في العمق اللبناني وصولا إلى تمركز الدبابات عند مجرى نهر الليطاني، وبذلك تكون قد شرعت فعليا في مهمة نزع سلاح “حزب الله” من كامل منطقة جنوب الليطاني، مع مساع واضحة لتطويق النبطية وقراها التي توازي بأهميتها مدينة بنت جبيل في عمق الجنوب.
جولة تفاوضية غير واعدة
هذا المشهد الميداني الذي تناولته الصحف الإسرائيلية مؤخرا، بإعلان الجيش عبور النهر وتثبيت وجوده قرب “زوطر الشرقية”، تراه صحيفة “هآرتس” سعيا لفرض واقع قوي على الأرض تزامنا مع انطلاق جولة المحادثات الثالثة في واشنطن، بينما تصفه “يديعوت أحرونوت” بتكرار لتكتيكات غزة عبر التدمير الممنهج للبنى المدنية لخلق منطقة عازلة قسرية خالية من أي حضور بشري أو عسكري، في حين تضع “جيروزاليم بوست” هذه المواجهة في إطار صراع استراتيجي شامل مع إيران.
وتتسابق هذه التطورات الميدانية، مع الجولة الثالثة من المحادثات اللبنانية-الإسرائيلية التي انطلقت في واشنطن وسط تعتيم رسمي مطبق، في وقت يرى فيه المراقبون أن النتائج لا تبدو واعدة، إذ تصطدم المطالب اللبنانية بشروط إسرائيلية قاسية على رأسها تفكيك بنية الحزب التحتية بالكامل، بينما يستمر الحزب في عملياته وتصعيده الذي ينذر بانفجار شامل قد يعيد الضاحية الجنوبية وأهدافا حيوية أخرى إلى دائرة الضربات الموسعة.
وفي خضم هذا الصراع، يعود الموقف الإيراني إلى الواجهة من خلال مراهنته المستمرة على إحياء مسار المفاوضات رغم نعي دور الوسيط الباكستاني عقب تسريبات كشفت عن استخدامه لتمرير دعم عسكري ولوجستي لطهران، وهو ما واجهته واشنطن بحزم عبر تصريح المتحدث باسم الخارجية الأمريكية ماثيو ميلر، الذي أكد أن بلاده تضع هذا التعاون العسكري والأمني المتزايد بين إسلام آباد وطهران تحت مجهر الرقابة الدقيقة، مشيرا بوضوح إلى أن استخدام الطائرات الإيرانية للقواعد الباكستانية لأغراض لوجستية وعسكرية أسقط صفة الحياد عن الوسيط، مما دفع الإدارة الأمريكية لمراجعة شاملة لهذا الدور وتجاوزه نحو التعامل مع القوى العظمى مباشرة.
عزلة طهران
وما يعزز العزلة الإيرانية وتضاؤل حظوظ العودة لطاولة المفاوضات، نتائج التفاهمات المشتركة التي أعقبت لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس الصيني شي جين بينغ، والتي أسفرت عن “مذكرة تفاهم غير مكتوبة” تثبت أن مصلحة بكين مع الولايات المتحدة واستقرار الاقتصاد العالمي تعلو بمراحل على العائدات التي تجنيها من طهران المنبوذة دوليا. لقد أكد الطرفان في بيان موحد أن إيران لن تمتلك سلاحا نوويا، وهو ما مثل تخليا صينيا واضحا عن سياسة “غض الطرف” التقليدية مقابل التزام أمريكي بتأمين احتياجات الصين من الطاقة بأسعار تفضيلية وضمانات أمنية، مع الاتفاق على ضرورة تفكيك “عسكرة” مضيق هرمز وإبقائه مفتوحا للملاحة دون رسوم.
لقد ترجم هذا التوافق الأمريكي-الصيني بتفاهمات تاريخية حصلت بموجبها بكين على حصص ضخمة من النفط والغاز الأمريكي بأسعار تفضيلية تنقل عبر قناة بنما لتقليل الارتهان للممرات المائية التي تسيطر عليها طهران، وترافق ذلك مع تشديد الرقابة على مصافي النفط الصينية المستقلة التي كانت الرئة الرئيسية للنفط الإيراني المهرب، مما يعني تجفيف منابع تمويل الميليشيات بالكامل، يضاف إليها صفقة مهمة تمثلت بطلب شراء الصين لـ 200 طائرة “بوينغ”.
هذا المشهد وضع طهران في عزلة خانقة، وجعل من استمرار “حزب الله” في ربط مصيره بمرجعية تضحي بأوراقها لضمان بقائها ضربا من الانتحار السياسي والعسكري، فبينما يندفع الحزب في مواجهة تآكلت فيها هيكليته وسقطت مخازنه أمام تمدد “الخط الأصفر”، تستمر طهران في إغراقه بمواقف تصعيدية، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بتأكيده “أن أي اتفاق يجب أن يضمن قدرات المقاومة السيادية ورفض عزل الساحة اللبنانية”. إن هذا الموقف يظهر كمحاولة إيرانية يائسة لتحسين شروط تفاوض متهالكة على حساب دماء اللبنانيين، في وقت حسمت فيه توازنات القوى العظمى في بكين وواشنطن، تاركة الساحة المحلية أمام تداعيات صعبة بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة.