الأثنين 29 ذو الحجة 1447 ﻫ - 15 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

مكاسب آنية "لتفاهم" هش بين الاحتفال والخيبة… مرحلة إعادة خلط الأوراق وأين مصير لبنان منها؟

شكلُ يومِ البارحةِ محطةً مفصليةً في ملفِّ التفاوضِ الإيراني-الأميركي بعدما شهد تأرجحًا بين “الشد والجذب” على مدى أكثر من سنة. منذ بداية هذه الجولات التي كانت محطتها الأولى في سلطنة عُمان في منتصف شهر أبريل من العام 2025، والتي شهدت بداية نوعٍ من الإيجابية إلّا أنها اصطدمت فيما بعد بالمهل الزمنية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والشروط المرتبطة ببرنامج طهران النووي حول نسبة التخصيب، وعلى إثرها تلقّى نظام “الولي الفقيه” ضربة قوية لم يكن يتوقعها، أُزيح مرشدها علي خامنئي من المشهد إثر ضربة إسرائيلية أميركية مشتركة، ما فتح بعدها باب التساؤلات حول من يمسك بزمام القرار، مكرِّسة حالة من الغموض الكبير، إلى حين الإعلان عن تولي نجله مجتبى مقاليد الحكم كوريث، ولكن الأخير آثر عدم الظهور ما طرح تساؤلات حول مصيره، بعد التسريبات المتكررة حول تعرضه للاستهداف، وهو في حالة لا تسمح له باتخاذ القرارات.

لم تكن ضربة رأس هرم النظام حدثًا عابرًا، بل كانت بداية الغيث لسلسلة من التحولات التي عصفت ببنية النظام وهيكليته نتيجة الضربات المتتالية لرموز التصقت بالمرشد، ما جعل قراراته تتوزع بين قيادات متعددة، وهو ما ظهر جليًا يوم تم حشد الوفد التفاوضي بما يزيد عن 70 شخصية للجلوس على طاولة التفاوض مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس.

بين وهم النصر والإحباط

ظاهريًا شكل التوقيع حالة من الارتباك، فكلا الطرفين سارع لرفع إشارات النصر موحيًا لفريقه بأنه حقق مكسبًا كبيرًا، في حين سيطر الإحباط على الشارع المؤيد لكليهما. فالفريق المعارض للمشروع الإيراني يرى أن الحل يكمن باستمرار الضربات العسكرية الساحقة لإسقاطه، إلا أن التوقيع على “مذكرة التفاهم” شكل صدمة لهم، لكونه انتهى بالجلوس على الطاولة واستبدال لغة النار بالدبلوماسية. وفي المقابل، كان جمهور المحور يرى أن طهران لا تزال تملك القدرة الكاملة على فرض شروطها دون أي تنازل، ليجدوا أنفسهم فجأة أمام مشهد رمادي لا نصر فيه ولا حسم. هذا الإحباط المتبادل لا يمكن فصله عن حقيقة ما جرى وما أطلق عليه اسم “مذكرة تفاهم” التي تحمل مفاتيح مضمونها، فهي لا ترقى إلى مستوى اتفاق كونها مجرد عناوين عريضة وكلام عام، يفتقر إلى البنود الواضحة والتفاصيل الدقيقة التي تحدد أي آلية حقيقية للتنفيذ على الأرض، لناحية عدم شمولها بنودًا تفصيلية ترتبط بالنقاط الأساسية المطروحة، وبالتالي لا يمكن وضعه في خانة الاتفاق الذي لا يمكن نقضه أمام المجتمع الدولي، إنه مجرد ورقة تفاهم نشرت غموضًا كبيرًا، لكنه حصل بناءً على موقف ترامب ورغبته التي عبّر عنها يوم خرج عبر منصته “تروث سوشال” معلنًا تعليق الضربة على طهران ليفصح عن التوصل إلى اتفاق مع الطرف الإيراني.

ومن خلال متابعة المواقف الأساسية التي رافقت الإعلان عن هذا التوقيع، لا بد من التوقف عند ما ورد على لسان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف مساء التوقيع، بوصفه “الاتفاق” بأنه يمثل إطارًا سياسيًا لوقف العمليات العسكرية والانتقال إلى مسار تفاوضي. كما أن إعلان طهران دخولها مرحلة جديدة من المفاوضات هو أمر يُستدل منه أننا سنكون أمام مرحلة جديدة من المفاوضات. أما على الصعيد الأميركي فقد أعلن الرئيس ترامب موافقته الرسمية محذرًا في الوقت نفسه من أن خيار العمل العسكري سيعود إلى الواجهة فورًا في حال فشل التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي… وبموجب هذا التفاهم، تبدأ هذا الأسبوع جولات تمهيدية فنية لترتيب الملفات، تليها مفاوضات رسمية محددة بسقف زمني مدته شهران، لتشمل القضايا النووية والملفات الأمنية والاقتصادية وترتيبات الملاحة في الخليج. هذه الجولات تعيد الأمور إلى نقطة الصفر، إلا أن الإيجابية تكمن فقط بما نتج عنها من إجراءات أو تدابير يمكن أن تدخل في خانة الحلول التي يستفيد منها الطرفان، والتي ترتبط بمضيق هرمز، ويمكن تصنيفها في خانة التدابير التمهيدية للاتفاق وتُعتبر بمثابة مقايضة، حيث منحت واشنطن طهران متنفسًا ماليًا عبر تحرير نحو 25 مليار دولار وإعفاءات نفطية مؤقتة، مقابل تعهد إيراني بضمان حرية الملاحة وتدفق الطاقة عبر مضيق هرمز، وهو أمر يؤمن الاستقرار لهذا المضيق الذي سينعكس تنفيذها بشكل مباشر على الدول المستفيدة منه، بانتظار بدء التفاوض الشامل لاحقًا.

لبنان في عين العاصفة الإسرائيلية

في هذه المعادلة لا يمكن استثناء لبنان وجبهته المشتعلة جنوبًا، الذي لم يتبين رسميًا إن كان دخل في خانة الأولويات الإيرانية. فإسرائيل، التي وصلت إلى مرحلة عسكرية متقدمة لناحية القضم والسيطرة التي تمكنها من الاقتراب من صيدا عاصمة الجنوب، لن تقبل بوقف إطلاق نار يترك جبهتها الشمالية في خطر دائم، وهذا ما تجسد بوضوح في أحداث الأمس، حيث لم تتورع عن استهداف الضاحية الجنوبية بعد عمليات إطلاق الصواريخ والمسيرات نحو الجليل الأعلى، التي ترافقت مع تهديدات عالية السقف من المسؤولين الإسرائيليين المطالبة بتدمير الأحياء في الضاحية مقابل كل استهداف للشمال الإسرائيلي، وهي لم تتردد بتنفيذها تزامنًا مع الأجواء الإيجابية التي كانت ترافق توقيع التفاهم الأميركي الإيراني، حيث اعتبرها البعض إطلاق نار على هذا التقدم. وهنا وضعت طهران أمام اختبار دقيق تجاه التزامها بذراعها “حزب الله”، التي أكدت أنها لن تتركه وأنها ستوجه ضربات إلى إسرائيل في حال استهداف الضاحية. إن تل أبيب تدرك أن هذا الهدوء الناتج عن الاتفاق هو هدوء “هش”، وهي لن تتوانى عن استخدام القوة لمنع عودة التهديدات إلى حدودها، مما يضع لبنان في دائرة استنزاف حقيقية، وهذا الأمر لم يتوقف، والاستهدافات الإسرائيلية اليوم تثبت أن الأمور لن تسير على الجبهة اللبنانية وفق مذكرة التفاهم التي وقعت والتي لم يتبين منها أين لبنان وجبهته الجنوبية منها. الأيام القادمة إن لم نقل الساعات ستظهر إن كان لبنان باقٍ في المعادلة الإيرانية أم وُضع جانبًا لحين بدء الجولات الجديدة، أم أن إسرائيل ستستمر في التصعيد لضرب ما تم التفاهم عليه، وما هو موقف إدارة ترامب من استمرار العمليات العسكرية، وهل ستخرج طهران من تعهداتها دفاعًا عن ذراعها في لبنان؟!