الجمعة 3 صفر 1448 ﻫ - 17 يوليو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

هل تدفع إيران المحاصَرة بـ "حزب الله" نحو إشعال الجبهة الجنوبية؟

ظلّ ما يدور في عقل الرئيس الأميركي دونالد ترامب عصيًّا على فكّ شيفرته لأشهر، إلى أن انكشف مع عودة طهران إلى إشعال النيران في مضيق هرمز، بعدما ظنّت أنها لا تزال عصيّة على المواجهة.

وما عزّز اندفاعتها كان استدراج ترامب لها، وتفعيل مناورته لجرّها إلى طاولة المفاوضات، التي تأرجحت مرارًا بين التوقيع واللاتوقيع. ويبدو أن هذا ما أراد ترامب الإيحاء به، إلى أن حدّد توقيت الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» التي منحت مهلة ستين يومًا للتنفيذ.

يومها، بقي العالم في حالة ترقّب، بانتظار الخطوات التالية، إلا أن طهران خرقت هذه المذكرة عندما أطلقت أربع طائرات مسيّرة باتجاه سفن تجارية كانت تعبر المضيق قبالة السواحل العُمانية. ثم استهدفت عددًا من السفن الأخرى وناقلات النفط بالصواريخ في الممر نفسه، واستمرّت في نهجها المعرقل، مع إصرارها على تحديد مسار ملاحة السفن.

لقد ظنّ ما تبقّى من نظام «الولي» أنه منتصر، بعدما اعتقد أن ترامب يهادنه، إلا أنه لم يدرك أن الأخير يمسك بزمام المبادرة، ويُبقي هذا النظام في غرفة «العناية الفائقة»، فيما يملك وحده تنفيذ قرار «الموت الرحيم».

وبدأت بشائر هذا القرار تلوح من خلال التطورات الميدانية التي فرضتها القيادة المركزية الأميركية، بتوجيهات مباشرة من ترامب، حين أطلق النفير للقضاء على ما تبقّى من قدرات طهران، من قمرة طائرته التي كانت تغادر الأجواء التركية، بالتزامن مع إعلانه انتهاء التفاوض ووقف إطلاق النار.

وبعد ذلك، بدأت الضربات والاستهدافات التي يبدو أنها تتّجه نحو إنهاء سطوة من وصفهم بـ«المرضى السيئين». وكان ترامب قد أعدّ لهم الأسطول الأميركي الذي غادر شواطئ الولايات المتحدة مع بداية هذا العام، ليستقرّ قرب الموانئ الإيرانية.

إن مهلة الستين يومًا لم تعد مهلة لتنفيذ ما ورد في «مذكرة التفاهم»، بل تحوّلت إلى المهلة الأخيرة للأنفاس التي لا يزال ورثة الخميني يتنفّسونها. وقد تكون المهلة التي ستقضي على «نظام الملالي» وركائزه، التي مدّ نفوذه في المنطقة عبرها.

أما التلويح بالورقة الحوثية، فلن تكون له قوة تأثيرية، حتى لو حشدت طهران «حرسها الثوري» في تلك البقعة. فهذه الورقة لن تُصرف سياسيًّا، ولن تُقرأ إلا بوصفها أداة مشاغبة لا ترقى إلى تغيير موازين القوى أو إجبار واشنطن على تغيير مساراتها العسكرية.

طهران وتحريك ذراعها «الأمين»

الورقة الأقوى التي لا تزال طهران تحتفظ بها هي ذراعها «الأمين»، «حزب الله». وهي تحاذر إحراق هذه الورقة وإدخال الحزب في المواجهة في هذا التوقيت لمساندتها، وقد تنتظر إلى أن تشعر بفقدان قدرتها في محيطها، فتدفع نحو إشعال الجبهة الجنوبية، بوصفها الجبهة «الأدسم».

ولا يزال «حزب الله» قادرًا على الرفض في الداخل اللبناني، وهو المتربّع في مفاصل الدولة اللبنانية وهيكليتها، من رئاسة المجلس إلى نوابه في البرلمان، الذين يكثّفون مواقفهم الرافضة للمسار التفاوضي.

كما أن قدراته العسكرية لا تزال فاعلة، وقد توضع موضع التشغيل لإشعال الخاصرة الشمالية لإسرائيل.

في الواقع، بات من المسلّم به أن طهران تعيش حصارًا مزدوجًا. فهي محاصَرة جغرافيًّا بالنار، كدولة وصولًا إلى شواطئها وموانئها، ومن جهة أخرى تعيش أدواتها ضائقة خانقة، وفي مقدّمها «حزب الله» الذي بات يتيمًا استراتيجيًّا.

فقد تلاشت سيطرته على المسار الذي كان يمدّ أوصاله بالمال والقدرات العسكرية من العراق، مرورًا بسوريا، التي تراقب المنافذ. وقد تمكّنت السلطات السورية مؤخرًا من إحباط إدخال كمية كبيرة من الذخائر، من أبرزها طائرات مسيّرة تعمل بالألياف الضوئية، شكّلت ولا تزال عنصرًا مؤرّقًا لإسرائيل.

أفول نجم «الولي»

بدأ نظام «الولي الفقيه» يعيش أفول نجمه تحت وطأة قصف أميركي محدّد الأهداف، في وقت يقف فيه «حزب الله» منتظرًا الأوامر من طهران.

وبات الحزب في مواجهة معركة وجودية، ليس على صعيد الإقليم فحسب، بل على الصعيد الداخلي اللبناني أيضًا، نتيجة شحّ خطوط إمداده أو انقطاعها من جهة، وضغط الداخل اللبناني وبيئته أولًا من جهة أخرى، بعدما أدركت هذه البيئة أنها تواجه مصيرًا مجهولًا.

ويقابل ذلك تقدّم، ولو بطيئًا، في المسار التفاوضي الذي رسمته الإدارة الأميركية ولاقته الدولة اللبنانية، والذي وصل إلى استحقاق «المناطق التجريبية» التي حُدّدت قراها، ومن المفترض أن يوضع موضع التنفيذ، وسط ترقّب لزيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن.

وهنا يُطرح السؤال: هل سيستغلّ الحزب هذا التوقيت، مع رفع سقف تصريحات مسؤوليه الرافضة لهذا المسار، ليعيد إشعال الجنوب، في وقت تنتظر فيه إسرائيل انطلاق الشرارة لتعود إلى التصعيد الكبير وتوسّع ضرباتها؟

وهل سيسلك تنفيذ ما اتُّفق عليه في المحادثات الإسرائيلية ـ اللبنانية في روما كما هو مرسوم، أم سيُستغل في توقيت تختاره طهران، لإعادة جرّ لبنان إلى جولة حرب قد تتوسّع، ولا تتوقّف قبل إنهاء «حزب الله» عسكريًّا؟

وقد تكون هذه الجولة هي الأخيرة، بعدما أكّد الحزب التزامه بالبقاء «كبش محرقة»، فداءً لـ«الولي الفقيه» في معركته للبقاء على قيد الحياة.