
خريطة تظهر مضيق هرمز ومضيق باب المندب
تتجه الأنظار إلى المواجهة الكبرى بين واشنطن وطهران في ضوء المواقف التصعيدية، وفي ضوء الضغوط الأميركية القصوى على إيران. إذ تقول أوساط دبلوماسية بارزة إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لن يقبل أن يستمر الوضع على هذه الحال، وهو يريد حسم ملفها. ويبدو أن الأمور ذاهبة في اتجاه العمل العسكري.
إيران تبدو في وضع لا تُحسد عليه، حسب المصادر، وهي تحسب الحساب لفتح الجبهات، ذلك أن هذا الموضوع لم يعد سهلاً بالنسبة إليها. إذ إن الحوثيين في اليمن صرحوا أخيراً أنهم لن يغلقوا مضيق باب المندب، بل سيتخذون إجراءات ضد السعودية، وهذا بحد ذاته أمر خطير، فضلاً عن استمرار استهداف الناقلات. كما أن جبهة لبنان باتت إيران تحسب لإعادة فتحها ألف حساب، في ظل تخوفها من دخول إسرائيل على خط الحرب الأميركية عليها، لأن إسرائيل ستعاود مشاركتها في الحرب على إيران في حال تم استهدافها، وستعيد في الوقت نفسه الحرب على “حزب الله”.
إيران إذا هددت مضيق باب المندب من جديد، يعني استخدامه واستخدام مضيق هرمز في الوقت نفسه في المعركة مع الولايات المتحدة. إنه استخدام للممرات المائية بين القارات والدول في الحرب. فهل تستطيع إيران فتح كل الجبهات واستخدام الممرات المائية التي تقع تحت مرمى أعمالها العسكرية في الحرب؟
يقول أستاذ الاقتصاد الدولي الدكتور محمد موسى لـ”صوت بيروت إنترناشيونال”، إن باب المندب يشكل أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويُعد البوابة الجنوبية لقناة السويس، ما يجعله شرياناً رئيسياً للتجارة الدولية بين آسيا وأوروبا. ويعبر عبره ما يقارب 10 إلى 12% من التجارة العالمية، ونحو 11% من تجارة النفط المنقول بحراً، إضافة إلى حوالي 8% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، الأمر الذي يجعل أي اضطراب فيه يتجاوز الإطار الإقليمي ليطال الاقتصاد العالمي بأسره.
وقال إن خطورة إغلاق باب المندب تكمن في أنه يعطل أحد أهم خطوط الملاحة الدولية، ويجبر السفن على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف آلاف الأميال البحرية ويطيل مدة الرحلات بين آسيا وأوروبا بنحو أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، مع ارتفاع كبير في تكاليف الوقود والشحن والتأمين. كما يؤدي ذلك إلى تأخير وصول السلع والمواد الأولية، ورفع كلفة الإنتاج، وزيادة أسعار الغذاء والطاقة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على معدلات التضخم العالمية ويضغط على النمو الاقتصادي.
وأوضح موسى أنه لا تقتصر أهمية باب المندب على الجانب الاقتصادي، بل يمتلك بعداً جيوسياسياً بالغ الحساسية، إذ أصبح أحد أبرز أوراق الضغط في التوازنات الإقليمية. فإيران، عبر نفوذها لدى جماعة الحوثي في اليمن، تمتلك قدرة على التأثير في أمن الملاحة في هذا الممر، بالتوازي مع قدرتها على التأثير في مضيق هرمز، ما يمنحها ورقتي ضغط في اثنين من أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم. ومن هنا، فإن أي تصعيد أو تهدئة في باب المندب يرتبط بصورة غير مباشرة بمسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، سواء حول البرنامج النووي أو العقوبات أو النفوذ الإقليمي، إذ يشكل أمن الملاحة أحد عناصر ميزان الردع والتفاوض بين الطرفين، وإن كان لا يمكن الجزم بأن أي إغلاق سيكون نتيجة مباشرة للمفاوضات وحدها.
وقال موسى إنه في حال تزامن أي اضطراب في باب المندب مع توترات في مضيق هرمز، فإن العالم سيكون أمام أزمة مزدوجة تمس شريانين أساسيين لتجارة الطاقة العالمية، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، وزيادة تكاليف النقل البحري والتأمين، وتعميق الضغوط التضخمية، وتباطؤ حركة التجارة العالمية، ولا سيما مع ارتفاع الطلب على الطاقة في فصل الشتاء.
وأوضح موسى أنه، أما على مستوى دول المنطقة، فإن الانعكاسات ستكون متفاوتة. فالدول الخليجية ستواجه ارتفاعاً في كلفة تصدير النفط والغاز إلى الأسواق الأوروبية، بينما ستتأثر مصر بانخفاض حركة العبور في قناة السويس وما يرافق ذلك من تراجع في إيراداتها. أما الدول المستوردة للطاقة، ومنها لبنان والأردن، فستكون أكثر عرضة لارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء والنقل والسلع الأساسية نتيجة زيادة كلفة الاستيراد والشحن، في حين ستتأثر الاقتصادات الأوروبية والآسيوية بتعطل سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار المواد الخام والمكونات الصناعية.
في المحصلة، لم يعد باب المندب مجرد ممر بحري، بل تحول إلى ورقة جيوسياسية واقتصادية ذات تأثير عالمي، حيث أصبح أمنه عاملاً حاسماً في استقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية. ولذلك فإن أي تهديد للملاحة فيه لا ينعكس على دول المنطقة فحسب، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي، ويصبح جزءاً من معادلة التفاوض والصراع بين القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإيران، ما يجعل تطورات هذا المضيق مؤشراً رئيسياً تراقبه الحكومات والأسواق المالية وشركات الطاقة والشحن في العالم.