
انتشار الجيش اللبناني خلال تظاهرة لمناصري حزب الله
تلفظ الدولة اللبنانية أنفاسها الأخيرة سياسياً، وهي تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع من هم في السلطة، حيث يبرز التناقض الصارخ في كون مجلس الوزراء قد أقرّ، في أوائل شهر مارس الماضي، حظر أنشطة “حزب الله” العسكرية والأمنية، ملزماً إياه بتسليم سلاحه والانضواء تحت مظلة العمل السياسي الدستوري، مؤكداً على سيادة الدولة في قرار الحرب والسلم، وعلى حصرية السلاح ومنع توريط لبنان في صراعات المنطقة… إلا أن الواقع يثبت أن الحزب ما زال يفرض إرادته، رغم حجم الدمار الذي حلّ بالجنوب وما وصلت إليه البلاد.
وهنا تبرز الحقيقة المُرّة… القوى التي استدرجت الحرب هي ذاتها التي تزرع اليوم الألغام في طريق النجاة، وفق مصدر متابع لهذه المفاوضات في حديثه لموقع “صوت بيروت إنترناشونال”، حيث يلفت إلى أن الأمر لم يعد مجرد تباين في وجهات النظر، بل هو صراع بين منطق الدولة التي تحاول لملمة ما تبقى، ومنطق الارتهان الذي يرفض تقديم أي تنازل سيادي، مما يجعل التفاوض قاب قوسين أو أدنى من الانفجار قبل أن يبدأ.
قيود طهران
ويضيف المحلل: تتحرك المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية في حقل ألغام تقاطع المصالح، فبينما يترقب العالم قمة إسلام آباد بين واشنطن وطهران، يجد لبنان نفسه مكبّلاً بقيود تمنعه من انتزاع قرار سيادي بوقف النار. إن الإصرار على تحويل الجنوب إلى ورقة مقايضة لتحسين شروط التفاوض الإيراني، كما فضحتها تصريحات رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، هو الذي أوصل البلاد إلى هذا الانسداد.
لقد بات واضحاً أن روح إيران التي تحدث عنها الأخير لا ترى في لبنان سوى ساحة لتصفية الحسابات، ولو كان الثمن زوال قرى بأكملها، من خلال تثبيت معادلة أن “حزب الله” سند الولي الفقيه، وهو ما أكده قاليباف البارحة حين اعتبر أن دخول الحزب الحرب جاء دعماً لطهران.
الجنوب في مواجهة “الخط الأصفر”
على وقع الغارات المستمرة بعد اتفاق الهدنة، يستمر الجيش الإسرائيلي في مسح معالم القرى الجنوبية التي أدخلها ضمن الحزام الأصفر، وتجاوزها البارحة مضيفاً إليها قرى أخرى، ليتجاوز عدد القرى الممنوع العودة إليها ثمانين قرية.
هذا الواقع لم يفرضه العدوان وحده، وفق المحلل، بل شرّعه غياب الاستراتيجية الدفاعية وتفرّد فصيل واحد بقرار المصير. يوم الخميس، كما هو مقرر، يذهب الوفد اللبناني إلى المفاوضات مثقلاً بتناقضات وجودية، فبينما يكرر رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزف عون موقفه حول حصرية السلاح كمدخل وحيد للحل، يصطدم كلامه بجدار الحزب الذي يرفض التخلي عن صاعق السلاح، مما يجعل المطالب اللبنانية تبدو خارج السياق أمام طاولة مفاوضات تفرض نزع سلاح الحزب كبند أول، مدعوماً بإصرار دولي يجعل من تفكيك البنية العسكرية للحزب شرطاً لا يقبل التأجيل.
هل يطيح بند السلاح بطاولة المفاوضات؟
وبسؤاله عن محادثات يوم الخميس القادم، يرى المحلل أن كل المؤشرات الميدانية والسياسية تقودنا إلى نظرة سوداوية، فقضية سلاح “حزب الله” ليست مجرد بند للنقاش، بل هي الصاعق الذي قد يطيح بكل المسار التفاوضي. فالمجتمع الدولي لم يعد يثق بوعود الخطوط الورقية جنوب الليطاني، التي أثبت الميدان فشلها.
هذا الاستعصاء يضع الدولة اللبنانية في مواجهة انتحارية، فإما تحقيق المستحيل بنزع السلاح، أو الانفجار الذي سيعيد المفاوضات إلى نقطة الصفر، مفسحاً المجال لإسرائيل لاستكمال بنك أهدافها وتثبيت واقعها الأمني.
إعدام الحل بفوهة التصريحات
بعد سلسلة التصريحات المهدِّدة للرئيس عون بعدم الاتجاه إلى تلبية رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتفاوض، جاءت مواقف النائب عن “حزب الله” حسن فضل الله الأخيرة لتضع حداً لأي تفاؤل دبلوماسي، إذ أكد رفض التفاوض المباشر، ملوّحاً بإسقاط “الخط الأصفر”، وهو بذلك يمعن في استمرار وتوسيع عملية تهجير أهالي الجنوب والضاحية من قبل إسرائيل.
إن هذا الإصرار على المواجهة، وسط موجات النزوح العكسي وضياع الأفق، يعكس واقعاً خطيراً. إن من أوصل لبنان إلى هذه الصورة الضبابية حول مصير الجنوب اللبناني، لا يزال يفضّل خيار النار على خيار الدولة.
إن الصراع لم يعد على تكتيكات تفاوضية، بل على بقاء وطن يوشك أن يختفي بين عقدة السلاح وطموحات رعاة هذا السلاح.