الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

هل يُنهي تفويض عون للجيش عصر "الرد الدبلوماسي" ويدفع بيروت لمواجهة مفتوحة؟

يجد لبنان نفسه اليوم على أعتاب منعطف خطير، قد يعيد صياغة قواعد اللعبة في الجنوب. نتيجة صعوبة التحديات التي تواجه الدولة اللبنانية في فرض سيادتها ضمن توازنات إقليمية ودولية متشابكة.

التوغل الإسرائيلي الأخير في بلدة بليدا، أسفر عن استشهاد موظف مدني داخل مبنى البلدية. لم يكن التوغل المذكور مجرد خرق حدودي، بل أصبح اختباراً حقيقياً لمدى قدرة لبنان على التحول من مجرد “متفرج” إلى طرف “فاعل” على الأرض.

بين التصعيد الميداني والتعقيد الدبلوماسي، يبرز قرار رئيس الجمهورية اللبنانية جوزف عون بتكليف قيادة الجيش برئاسة الجنرال رودولف هيكل، بالتصدي لأي خرق جديد من الجيش الإسرائيلي، كعلامة فارقة قد تضع أسساً جديدة لمرحلة جديدة من المواجهة السياسية والعسكرية، والذي يتجاوز إطار الشكاوى الدبلوماسية المعتادة.

لقد جاء طلب الرئيس جوزاف عون الصريح من قائد الجيش بالتصدي لأي توغل إسرائيلي في الأراضي الجنوبية، ليضع المؤسسة العسكرية اللبنانية مباشرة في واجهة المواجهة المحتملة. هذا التحول الجذري في السياسة الدفاعية يثير تساؤلات ملحة.. هل وقع لبنان بالفعل في “المحظور” بقراره تحويل الرد من دبلوماسي إلى عسكري، على الرغم من استمرار الدعم العسكري والسياسي الأمريكي للجيش اللبناني. وهنا يبرز السؤال ان كانت هذه الخطوة ستضع هذا التفويض في مواجهة غير مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي طالما دعت إلى الالتزام بالقرار 1701 وتجنب التصعيد. إن المرحلة القادمة ستحدد ما إذا كان هذا القرار سيصبح بداية لـ”مرحلة التصدي العسكري” التي طالما طالب بها البعض، أم أنه مجرد مناورة سياسية عالية المخاطر ذات تداعيات إقليمية ودولية خطيرة.

قواعد اشتباك جديدة

لطالما اعتمدت الدولة اللبنانية، منذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، على آليات “الاحتجاج الدبلوماسي” عبر تقديم الشكاوى إلى مجلس الأمن و”لجنة الميكانيزم” لإدانة الخروقات الإسرائيلية. لكن التوغل الأخير ،شكّل نقطة تحول اعتبرها الرئاسة والحكومة اللبنانية تجاوزاً للخطوط الحمراء.

إن التفويض الرئاسي للجيش اللبناني بالتصدي العسكري يُعطي غطاءً سياسياً غير مسبوق للجيش للتحول من دور المراقبة والتنسيق مع “اليونيفيل” إلى دور الرد المباشر. وهذا التحول يطرح تساؤلاً جوهرياً، هل هو قرار استراتيجي يرمي إلى إرساء هدفين، ترسيخ السيادة الوطنية وكسب التأييد الشعبي، أم أنه يمثل مغامرة محسوبة الأبعاد؟ فهو من جهة يُلبي المطالب الشعبية والسياسية بضرورة الدفاع عن السيادة اللبنانية بعيداً عن سياسة ضبط النفس، ومن جهة أخرى، يفتح الباب أمام احتمال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة قد تتجاوز السيطرة، خاصة وأن الجيش اللبناني لم يدخل في اشتباك مباشر مع الجيش الإسرائيلي على هذا المستوى منذ فترة طويلة. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، هل يمتلك الجيش اللبناني القدرات الكافية والموارد اللوجستية اللازمة لدخول مرحلة التصدي الفعلي في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، هذا التحدي لا يقتصر على الجوانب التقنية فحسب، بل يشكل اختبارًا حقيقيًا لجدية الدولة في كسر المعادلة التي لطالما استخدمها “حزب الله” لتبرير احتفاظه بسلاحه تحت ذريعة ضعف المؤسسة العسكرية.

الدعم الأمريكي على المحك

ربما تكون التداعيات الدولية لهذا القرار هي الأكثر شديدة التعقيد وحساسية، لاسيما فيما يتعلق بعلاقة لبنان مع الولايات المتحدة الأمريكية، الداعم الأكبر للجيش اللبناني. إن قرار التصدي العسكري يُنظر إليه في الأوساط الدبلوماسية الغربية على أنه خطوة قد تُشعل فتيل الحرب، وهو ما يتعارض مع الجهود الأمريكية والدولية الأخيرة الرامية إلى خفض التصعيد. وبالتالي، فإن قرار عون قد يضع الدعم الأمريكي للجيش على المحك، حيث أن واشنطن تُبدي قلقاً متزايداً من تحول الجيش اللبناني إلى طرف في المواجهة، ما قد يُعقّد برامج الدعم العسكري ويُعيد تقييم العلاقة الاستراتيجية بين البلدين. هذا القلق يتزامن مع تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال ” ، كشف أن “حزب الله” بدأ بإعادة بناء ترسانته العسكرية بوتيرة متسارعة، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ عام، وأشار التقرير إلى أن الحزب لا يكتفي بتهريب الأسلحة عبر الحدود السورية، بل بدأ تصنيع بعض المعدات العسكرية داخل لبنان وتخزينها في مناطق مدنية. هذا النشاط السري يثير قلق تل أبيب وواشنطن على حد سواء، وتعتبر دوائر أمريكية أن “حزب الله” يستغل حالة الفراغ السياسي لإعادة التموضع عسكرياً، وهو ما كشفه التقرير ، ما يُنذر بانفجار محتمل في حال لم تُضبط الأمور سريعاً. وقد نقلت مصادر دبلوماسية غربية أن الإدارة الأميركية باتت تنظر إلى الوضع اللبناني على أنه “وصل إلى حائط مسدود”، في إشارة إلى تعثر الدولة في ضبط الحدود الجنوبية وتنامي نفوذ القوى غير الرسمية، واعتُبرت هذه التصريحات بمثابة تحذير مبطن من أن استمرار التصعيد قد يُفقد لبنان الغطاء الدولي.