الخميس 21 ربيع الأول 1448 ﻫ - 3 سبتمبر 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الراعي يفتتح المؤتمر السنوي الـ32 للمدارس الكاثوليكية.. وكرامي تعرض رؤية وزارة التربية للـ2040

افتتح البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بصفته رئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، المؤتمر السنوي الـ32 للمدارس الكاثوليكية، في مدرسة سيدة اللويزة بزوق مصبح، تحت عنوان «مهنة التعليم في عصر الذكاءات الجديدة: رسالة تتجدد».

وحضر المؤتمر البطريرك مار إغناطيوس يوسف الثالث يونان، والبطريرك رافائيل بيدروس الحادي عشر ميناسيان، وممثل البطريرك يوسف العبسي الأرشمندريت سابا سعد، ووزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، ووزير الإعلام بول مرقص، والنواب نعمة إفرام وشوقي الدكاش وأنطوان حبشي، والمونسينيور عبدو يعقوب، والنائبة السابقة بهية الحريري، ورئيس اللجنة الأسقفية للمدارس الكاثوليكية المطران يوسف سويف، ورئيس الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر، والمدير العام للتربية فادي يرق، ورئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء هيام إسحق، ونقيب المعلمين نعمة محفوض، وممثلون عن قيادة الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة، ورئيس الرابطة المارونية المهندس مارون الحلو، إلى جانب عدد من رؤساء الجامعات والمسؤولين التربويين ومديري المدارس والمعلمين والأهل.

واستُهلت جلسة الافتتاح بالنشيد الوطني اللبناني ونشيد المدارس الكاثوليكية، قبل أن تلقي الإعلامية سمر بو خليل كلمة اعتبرت فيها أن العالم يمر بلحظة مفصلية مع دخول عصر الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن التعليم لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يقوم على بناء الشخصية وتكوين الضمير واكتشاف المعنى.

وشددت بو خليل على أن الذكاء الاصطناعي يمثل قضية أخلاقية وتربوية وإنسانية، وأن مسؤولية تنظيمه لا تقع على الشركات وحدها، بل تستدعي شراكة مجتمعية، محذرة من توظيفه في التنافس العسكري والاقتصادي، ومن التضليل الذي يهمّش التربية لمصلحة الإنفاق العسكري.

وأكدت أن مستقبل التعليم لا يتحدد بعدد الأجهزة والتطبيقات، بل بوضع الإنسان في قلب التكنولوجيا والضمير في قلب المعرفة، مشيرة إلى أن الآلة لا تستطيع أن تحل مكان المعلم الذي يمنح الطالب الثقة ويقول له: «أنت تستطيع».

بدوره، اعتبر رئيس الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر أن عنوان المؤتمر يؤكد أن التربية تقع في صميم رسالة الكنيسة، وأن المدرسة الكاثوليكية تشكل جزءًا أساسيًا من خدمة الإنسان وبناء وطن نهائي لجميع أبنائه.

وأشار إلى أن الأسئلة المطروحة اليوم تمس جوهر الإنسان ومعنى المعرفة ودور المدرسة ورسالة المعلم في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، لافتًا إلى أن التحول لا يطال المناهج وحدها، بل معنى المعرفة وطريقة إنتاجها، بعدما أصبحت الآلة قادرة على الكتابة والترجمة والتحليل والبرمجة والرسم والإجابة عن أسئلة معقدة خلال ثوانٍ.

وأكد نصر أن المدرسة تبني الإنسان، إذ يتعلم فيها التلميذ كيف يفكر ويسأل ويميّز ويختار ويتحمل مسؤولية خياراته، مشددًا على أن الدور الأبرز يقع على المعلم بوصفه الركن الأساسي في تعزيز التفكير النقدي والتربية على القيم.

ورأى أن التحدي الحقيقي يكمن في تجدد المعلم ليصبح مبدعًا وصانعًا للمعرفة وصاحب رسالة يشارك في بناء الإنسان والمجتمع، متسائلًا عن واقع المعلمين ومدى شعورهم بالأمان المهني وحصولهم على فرص التطور.

وأوضح أن إدارات المدارس تدرك عمق هذه المسألة وتبحث عن حلول لها، رغم أن التحديات تتجاوز قدراتها وتستدعي تدخل الدولة لتحمّل مسؤولياتها ووضع حلول مستدامة، معتبرًا أن المعلم المتجدد هو وليد مدرسة متجددة تواكب الحداثة من دون أن تفقد هويتها، وتكون رقمية من دون أن تتخلى عن إنسانيتها.

وتوقف نصر عند واقع لبنان في ظل الحروب في الجنوب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مؤكدًا أن ما يبنيه المربي في عقل الطفل وقلبه يبقى الأساس لوطن لا يزول، وأن المدارس الكاثوليكية حافظت على رسالتها حتى في أصعب الظروف.

وأشار إلى أن تطوير البيئة المدرسية يستوجب تطوير البيئة التشريعية وتحديث القوانين، ولا سيما القانون 515، بما يحقق العدالة والشفافية، داعيًا إلى شراكة صادقة بين وزارة التربية والمركز التربوي ونقابة المعلمين واتحادات لجان الأهل، وصولًا إلى ميثاق تربوي جديد يضع التربية فوق التجاذبات.

وشدد على أن نجاح المناهج الجديدة يتطلب إعداد المعلمين وتأمين الموارد، مع ضرورة بدء التدريب والتجريب في مطلع العام الدراسي الحالي. كما أكد أن الشهادة الثانوية العامة تمثل ضمانة للمساواة، داعيًا إلى استعادة الثقة بالامتحانات الرسمية والمحافظة على صدقيتها بوصفها عقد ثقة بين الدولة والمجتمع.

وطرح نصر 5 التزامات عملية، تشمل إصدار إطار لدمج الذكاء الاصطناعي في التربية، ووضع خطة مستدامة لتطوير المعلم والتحول الرقمي، واعتماد آلية حوار دائم مع جميع المعنيين بالشأن التربوي، واستنباط نموذج جديد لاستدامة المدرسة يقوم على تصنيف الأداء وتمييز الرسالات، وتعزيز التعاون بين المدارس الكاثوليكية ومؤسسات اتحاد المدارس الخاصة لتبادل الموارد والخبرات.

وأكد أن التربية في المدرسة الكاثوليكية تقوم على الترابط بين مدرسة مستدامة، ومعلم كريم العيش، وعائلة قادرة على تأمين تعليم أبنائها، بما يسمح للمدرسة بالبقاء وفية لإنجيل المسيح وصانعة للرجاء في أرض الوطن.

من جهتها، ثمّنت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي دور البطريرك الراعي في وضع التربية في صلب اهتماماته ومواقفه الوطنية، ودور المطران يوسف سويف في رعاية رسالة المدارس الكاثوليكية وتعزيز حضورها التربوي والوطني، شاكرة الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية على تنظيم المؤتمر واختيار عنوانه.

وقالت كرامي إن القطاع التربوي في لبنان يعيش منذ سنوات تحت وطأة أزمات متلاحقة، بدءًا من الأزمة الاقتصادية والانقطاع عن التعليم والنزوح، وصولًا إلى الحروب والاعتداءات وتعطل المدارس وتراجع قدرة المعلمين والأهل والمؤسسات على الاستمرار، مشددة على أنه لا يجوز تحويل مقاربات الطوارئ إلى أسلوب دائم لإدارة التعليم.

وأكدت أن التحدي لا يقتصر على الصمود، بل يتمثل في التحول والانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء المستقبل، معتبرة أن «رؤية وزارة التربية والتعليم العالي 2040» تشكل إطارًا وطنيًا لبناء نظام تربوي أكثر قدرة على الصمود والتجدد، وأكثر عدالة وجودة واستجابة لحاجات المتعلمين والمجتمع المتطورة والمتغيرة.

وأوضحت أن الرؤية تقوم على 7 أهداف مترابطة تجمع بين جودة التعليم، وتطوير المدرسة، وتمكين المعلم، والتحول الرقمي، وتعزيز التماسك الاجتماعي، بما يؤهل أبناء لبنان للعيش والعمل والمشاركة المسؤولة في مجتمع سريع التغير.

وشددت على أن المعلم هو حجر الزاوية في هذه الرؤية، مؤكدة أن «رؤية 2040» لن تتحقق بالسياسات والخطط والوثائق وحدها، بل بالمعلم المربي والمهني الذي يمتلك المبادرة والقرار ويقود التغيير داخل صفه ومدرسته ومجتمعه.

وفي ملف التحول الرقمي، أكدت كرامي أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ليسا غاية مستقلة، بل وسيلة لتحسين التعلم وتوسيع فرص الوصول ودعم المعلم في الاستجابة لحاجات المتعلمين، مشددة على أن المعلمين هم من يقودون، فيما تبقى التكنولوجيا أداة بين أيديهم.

ودعت إلى عدم التعامل مع الذكاء الاصطناعي بخوف أو بانبهار أعمى، بل إلى الاستفادة من إمكاناته في تخصيص التعلم وتوسيع الوصول إلى المعرفة، بالتوازي مع حماية بيانات المتعلمين وخصوصيتهم، وضمان تكافؤ الفرص، وبناء قدرات المعلمين على استخدامه بصورة تربوية وأخلاقية ومسؤولة.

وأشارت إلى أن التكنولوجيا تستطيع تقديم المعلومة، لكنها لا تستطيع فهم مشاعر المتعلم أو لمس قلبه وروحه أو منحه الثقة أو بناء الضمير والقيم والمسؤولية لديه.

وفي ما يتعلق بأوضاع المعلمين، أكدت كرامي أن الحديث بصدقية عن الصورة المتجددة للمعلم والرؤية الطموحة للتربية لا يمكن أن يتم فيما يعيش المعلمون قلقًا يوميًا على رواتبهم وأمنهم الاجتماعي وقدرتهم على الاستمرار، مشددة على أن صمود النظام التربوي لا يمكن أن يبقى قائمًا على حساب كرامتهم وحقوقهم.

وأعلنت أنها ستواصل حمل مطالب المعلمين المحقة والدفاع عنها داخل مجلس الوزراء، مع إدراكها أن معالجة هذه المطالب تتجاوز صلاحيات الحكومة ووزارة التربية وتتطلب قرارًا وطنيًا وتضامنًا مسؤولًا، مؤكدة الالتزام بصون حقوق المعلمين وتوفير فرص التطوير المهني المستمر لهم وإشراكهم في مسارات الإصلاح.

وعن المناهج المطورة، اعتبرت كرامي أن تنفيذها يشكل الاختبار الحقيقي لرؤية 2040، موضحة أن ما تقوم به الوزارة لا يقتصر على تحديث الكتب، بل يمثل تحولًا في فلسفة المنهج ونظرته إلى المعرفة والتعلم والمتعلم.

وأشارت إلى أن المناهج الجديدة تنقل التركيز من كمية المعلومات التي يحفظها المتعلم إلى قدرته على فهم ما يتعلمه وتوظيفه ونقله إلى سياقات جديدة واستخدامه في التحليل وحل المشكلات واتخاذ القرار، بالاستناد إلى المقاربة القائمة على الكفايات.

وأوضحت أن المناهج تجمع بين الكفايات الخاصة بالمواد الدراسية والكفايات المستعرضة، ومنها التفكير النقدي والإبداعي، وحل المشكلات، والبحث والتقصي، والتواصل والتعاون، وإدارة الذات، واتخاذ المبادرة، واستخدام التكنولوجيا بصورة واعية ومسؤولة، بما يضع المتعلم في قلب العملية التربوية وينظر إليه بوصفه إنسانًا متكاملًا.

وتوجهت كرامي إلى معلمي ومعلمات المدارس الكاثوليكية، معتبرة أنهم شركاء أساسيون في تنفيذ المناهج المطورة وتجريبها وتقويمها، ودعتهم إلى قيادة مسار ترسيخ ملامح المعلم المهني التي تقوم عليها رؤية 2040.

وأكدت أن الوزارة تنظر إلى التعليم الخاص باعتباره جزءًا أساسيًا من المنظومة التربوية الوطنية وشريكًا لا يمكن أن يكتمل الإصلاح التربوي من دونه، مشددة في المقابل على أن أهمية التعليم الخاص لا تعني تراجع الدولة عن مسؤوليتها الأساسية في حماية المدرسة الرسمية وتعزيزها.

واعتبرت أن المدرسة الرسمية تمثل ضمانة للحق في التعليم والمساواة بين أبناء لبنان، وأن تقويتها أولوية وطنية لا بديل عنها.

ودعت في ختام كلمتها إلى حوار مسؤول يوازن بين استمرارية المؤسسات وحقوق المعلمين وقدرة العائلات على تحمّل الأعباء، مؤكدة أن هذه الملفات لا تعالج بالمواجهة أو الانفعالات، بل بالأرقام والشفافية والتشاور، وأن رؤية 2040 ليست وثيقة للمستقبل البعيد، بل تتجسد في الخيارات التي تُتخذ اليوم.